من المؤسف أن يبلغ الاستسهال بالكلمة مبلغًا يُختزل معه تاريخ مدينة، وذاكرة مجتمع، وميراث أجيال، في عبارة عابرة لا تقوم على برهان، ولا تستند إلى إنصاف.
وقد تناقل بعض وسايل التواصل الإجتماع في الآونة الأخيرة وصفًا جائرًا لمدينة آمرج، أرادوا به أن يجعلوا من هذا الحيز الجغرافي العريق عنوانًا لمعنى لا يليق إطلاقه على المدينة ولا على أهلها.
وليس من منهج أهل العلم أن تُقابل الدعوى بمثلها، ولا أن تُدفع المبالغة بمبالغة، وإنما المنهج أن يقال لصاحبها: هات برهانك.
فالأعراض لا تُنال بالظنون، وسمعة الناس ليست مجالًا للتجارب الإعلامية، والمدن لا تُحاكم بكلمة ولا تُختصر في انطباع عابر، ولا يصح أن يُحمّل مجتمع بأكمله تبعة وصف لا يثبت بدليل.
والأغرب من إطلاق مثل هذه الأحكام أن يكون ذلك في حق مدينة لها في سجل العلم والقرآن والمحاظر صفحات بيضاء، ولها من تراث أهلها ما يجعل الواجب في حقها التعريف بفضلها، وإحياء ذاكرتها العلمية، والتنويه برجالها، لا اختزالها في عبارة جارحة.
وآمرج، لمن عرفها من طريق العلم لا من طريق العابرين، ليست صفحة وليدة في وسائل التواصل، وإنما هي جزء من ذلك الامتداد الحضاري الذي صنعت به المحظرة الموريتانية تاريخها العلمي.
آمرج وذاكرة النصوص القرآنية والمحظرية عموما
من أعظم ما ينبغي أن يُذكرلمدينة لآمرج عنايتها بالقرآن وعلومه، وما نشأ في بيئتها من تقاليد في التلقي والأداء
وهذا باب لا يعرف قدره إلا من عرف دقة علوم القرآن، وأن التلقي فيه ليس مجرد حفظ كلمات، وإنما هو علم تؤخذ أصوله بالمشافهة، وتضبط وجوهه بالسماع، ويتوارث أهله دقائق الأداء والتحرير جيلاً عن جيل.
ومن الشواهد التي بقيت متداولة في هذا الباب طائفة من العبارات والاصطلاحات الخاصة بأهل الفن، مما يدل على عمق الاشتغال بالقراءات والأداء، من نحو: الإمالة الكحلة*، والغين الطويلة،* والغين القصيرة *والأرداف،* وماحذف عنه الألف،* وحذف اجمان، *وحذف اجكان،* وماورد من حرف الدال *والراء* والزاي،* بالنصب والتوين *
ويلاقلا * امك *بواجف* ناملة* رءا بالانعم * إمزيميد* الفرع*إجديد* البيرش*سافلها* وغير ذلك من الكتب والمصطلحات االتى لاتكاد توجد إلافى المحاظر الآمرجية
وقد يبدو ذلك لغير المتخصص ألفاظًا غريبة، ولكنه عند أهل هذا الشأن شاهد على مدرسة علمية لها لغتها ومسالكها وطرائقها في الضبط والأداء.
وليس كل ما استقر في ذاكرة المحاظر قد دخل الكتب المطبوعة، ولا كل علم اشتهر عند أهله يحتاج إلى أن يكون ذائعًا في الأمصار حتى تثبت قيمته.
بل قد تختص بعض البيئات العلمية بكتب أو متون أو طرق في التعليم لا تكاد توجد في غيرها، وهذا من أثمن ما يملكه التراث المحلي إذا وجد من يجمعه ويحققه ويحفظه من الضياع.
وقد عُرف أهل آمرج في هذا الباب بالإتقان، ولا سيما في علوم القرآن، والإتقان في هذا الفن ليس دعوى يتزين بها المرء، وإنما هو ثمرة طول الملازمة، وصحة التلقي، ودقة الأخذ عن الشيوخ.
ولم تكن المحظرة في هذه الديار مجرد موضع عابر للتعليم، وإنما كانت في أزمنة مضت مقصدًا لطالب العلم، يأوي إليها من أراد القرآن والفقه واللغة وسائر علوم الشريعة.
وقد حفظت الذاكرة العلمية أخبار محاظر كان يكثر عليها الطلاب حتى لا تكاد نارها تخمد، لكثرة من يفد إليها من الطلبة.
ومن الأخبار الدالة على ذلك ما يروى عن محظرة علامة عصره وفريد أقرانه العلامة طالبن خين ولدمحمدالامين ولد احمدجيد ولد إسليمان ولد الطالب اعمر من كثرة الطلاب الذين اجتمعوا عليه، حتى قيل إن نار المحظرة ظلت موقدة سنة كاملة لكثرة طلاب العلم النازلين بها.
وهذه الصورة، سواء نظر إليها المرء باعتبارها رواية من روايات أهل المنطقة أو شاهدًا من شواهد الذاكرة المحظرية، تكشف عن معنى عظيم: أن العلم كان في تلك البيئات حياةً يومية، لا موسمًا عابرًا.
وإن مدينة تستقبل طلاب العلم، وتؤويهم، وتعيش على خدمتهم وتعليمهم، جديرة بأن يُبحث تاريخها العلمي، وأن تُجمع أسماء شيوخها وتلاميذها، وأن تُحفظ كتبها، وأن تُروى أخبار محاظرها قبل أن تطويها السنون.
كتب لا تكاد تجدها إلا في مجالس أهلها
ومن وجوه الثروة العلمية التي تستحق العناية أن في آمرج كتبًا ومتونًا نادرة ظلت تُقرأ وتُدرّس في مجالس علمية خاصة، وبعضها لا يكاد يجد له المرء نظيرًا في كثير من البيئات التعليمية الأخرى.
وهذا باب من أبواب التراث الموريتاني الذي يحتاج إلى توثيق جاد؛ لأن الكتاب الذي يظل محفوظًا في خزانة شيخ أو متداولًا بين طلبته قد يكون شاهدًا على طبقة علمية كاملة.
ومن هنا فإن المحافظة على هذه الكتب، وفهرستها، وتصويرها، والتعريف بها، ومعرفة من قرأها ومن قرئت عليه، ليست ترفًا ثقافيًا؛ وإنما هي خدمة للذاكرة العلمية الوطنية.
فكم من كتاب ظنه الناس عاديًا، ثم تبين بعد ذهاب حامليه أنه قطعة من تاريخ لا يعوض!
إن المدن لا تُعرف بألسنة المتعجلين، وإنما تُعرف بما أنجبت من رجال، وما حفظت من علم، وما أسهمت به في حياة الناس.
ولو أنصفنا المدن كلها لقلنا: في كل مدينة وجوه متعددة؛ فيها عالم وجاهل، وفيها محسن ومقصر، وفيها تاريخ يحتاج إلى إحياء، وواقع يحتاج إلى إصلاح.
لكن العدل يأبى أن تُجعل النقيصة — إن ثبتت في موضع من المواضع — عنوانًا للمجموع،
كما يأبى أن تُمحى المحاسن الكثيرة بسبب كلمة.
وقد كان من هدي أهل العلم أنهم إذا ذكروا بلدًا أو قومًا ذكروا ما لهم وما عليهم، ولم يحملهم العتاب على الجور، ولا الثناء على الغلو.
إن الكلمة أمانة، وكلما اتسع انتشارها عظم خطرها
إن مدينةآمرج التي عرفها أهل القرآن ليست مدينة بلا ذاكرة، ولا أرضًا بلا رجال.
فيها علم، وفيها قرآن، وفيها محاظر، وفيها شيوخ، وفيها طلاب، وفيها كتب، وفيها تقاليد في التلقي والأداء، وفيها رجال حملوا العلم إلى من بعدهم.
ورحم الله الشاطبي حين قال
جزى الله بالخيرات عنا أئمة**لنا نقلوا القرآن عذا وسلسلا
ولآمرج، فوق ذلك، من الذكريات والوقائع العلمية ما يستحق أن يُجمع في مصنف مستقل، يعرّف بعلمائها، ومحاظرها، وكتبها، وطرق قراءتها، ورجالها الذين أسهموا في حفظ العلم ونقله.
إن للمدن حرماتها، وللناس أعراضهم، وللتاريخ حرمته، وللكلمة مسؤوليتها.
ومن أراد إصلاح آمرج أو غيرها فليكن طريقه العلم والرفق والإنصاف، وليبحث عن مواطن الخلل ليعالجها، وعن مواطن القوة لينميها.
أما تاريخ مدينة كاملة، فلا ينبغي أن يُسلَّم لكلمة عابرة
وإذا كانت آمرج تحتاج اليوم إلى شيء، فإنها تحتاج إلى أن يستعيد أبناؤها الثقة بتراثهم، وأن يجمعوا شتات ذاكرتهم العلمية، وأن يخرجوا للناس ما عندهم من كنوز العلم والقراءة والمحظرة، حتى يعرف الناس المدينة بما فيها، لا بما يريد بعض العابرين أن يجعلوه عنوانًا لها.
وللوجد عنكم روايات وأخبار
وللعلا نحوكم حاج وأوطار
وحيث كنتم فثغر الروض مبتسم
وأين سرتم فدمع العين مدرار
لله قوم إذا حلوا بمنزلة
حل السرور وسار الجود إن ساروا
تحيا بكم كل أرض تنزلون بها
كأنكم في بقاع الأرض أمطار
ونوركم يهتدي الساري برؤيته
كأنكم في ظلام الليل أقمار
لا أوحش الله ربعا من زيارتكم
يا من لكم في الحشا والقلب تذكار
تلك هي مقاطعة آمرج التي ينبغي أن تُقرأ في صفحات العلم والتاريخ، وآمرج التي لها أن تفخر بما حفظت من القرآن والعلم، وأن يعتز أبناؤها بتراثها، وأن يعملوا على إحيائه وصيانته ونقله إلى الأجيال.
رحم الله من دعا للخير ودعا لنا بكل خير



