التيار (نواكشوط) - لم تكن زيارة الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني إلى كوت ديفوار، التي لم تتجاوز ساعات، مجرد محطة بروتوكولية عابرة في جدول زيارات الرئاسة، بل جاءت في توقيت إقليمي بالغ الحساسية، تتقاطع فيه أزمات الساحل مع توتر متصاعد بين دول تحالف الساحل ونيجيريا، وعودة تدريجية للحضور الفرنسي في بعض دول المنطقة، وانفتاح جزائري متزايد على باماكو ونيامي وواغادوغو، بالتوازي مع اتساع التعاون العسكري بين عواصم الساحل وروسيا وتركيا وإيران.
وفي قلب هذه المعادلة، تبدو نواكشوط وأبيدجان أمام حاجة متزايدة إلى تنسيق المواقف، خصوصا أن البلدين ينتميان إلى فضاء جغرافي واحد باتت حدوده الأمنية أكثر هشاشة، فيما تتحرك دول الساحل الثلاث، مالي وبوركينا فاسو والنيجر، بمنطق إقليمي جديد يقوم على توسيع الشراكات العسكرية والسياسية، مع تراجع علاقاتها التقليدية مع فرنسا والغرب.
من أبيدجان إلى نواكشوط.. الأمن يتقدم على السياسة
وتكتسب الزيارة بعدا أمنيا أكثر وضوحا بالنظر إلى السياق الذي سبقها مباشرة، فقد شهدت الأيام الأخيرة تصعيدا لفظيا غير مسبوق بين تحالف دول الساحل ونيجيريا، بعد تصريحات للرئيس النيجيري بولا أحمد تينوبو تحدث فيها عن تدهور الأوضاع الأمنية والاقتصادية والاجتماعية في دول التحالف الثلاث، وهي تصريحات ردت عليها واغادوغو باستدعاء السفير النيجيري وإبلاغه احتجاجا رسميا، بحضور سفيري مالي والنيجر.
ولم يكن ذلك التراشق مجرد خلاف دبلوماسي عابر، إذ يكشف عن اتساع الفجوة بين تصورين لمستقبل الأمن في غرب إفريقيا، تصور تقوده دول الساحل الثلاث التي اختارت فك الارتباط التدريجي مع المنظومات الأمنية التقليدية، وتصور آخر تدافع عنه قوى إقليمية مثل نيجيريا، ترى أن تدهور الأوضاع في الساحل ينعكس مباشرة على أمن المنطقة بأسرها.
وفي هذا المشهد، تبدو موريتانيا وكوت ديفوار أقرب إلى موقع الوسط، وإن كان لكل منهما حساباته الخاصة. فموريتانيا تحاول منذ سنوات الحفاظ على علاقاتها مع مختلف الأطراف، فيما تمثل أبيدجان أحد أهم المراكز الاقتصادية والسياسية في غرب إفريقيا، وتحتفظ بعلاقات وثيقة مع فرنسا وشركائها الغربيين.
وتزداد أهمية هذا البعد بالنسبة لنواكشوط بعد حادثة توقيف عشرات التجار الموريتانيين العائدين من كوت ديفوار، وما رافقها من اتهامات بتعرضهم للتعذيب على أيدي القوات المالية، وهي حادثة أثارت صدمة رسمية وشعبية في موريتانيا، ووضعت العلاقة مع مالي أمام اختبار جديد، في وقت تتزايد فيه الاتهامات المتبادلة بين نواكشوط وباماكو.
تشاني يرفع سقف الاتهام..
ولا يمكن فصل الزيارة عن التصريحات الأخيرة للرئيس النيجري الجنرال عبد الرحمن تشاني، التي اتهم فيها موريتانيا وكوت ديفوار بدعم هجمات شهدتها مالي، وهي اتهامات تضع البلدين، بدرجات مختلفة، في مرمى الخطاب السياسي والأمني الجديد لدول الساحل.
وبذلك، فإن اجتماع غزواني مع الرئيس الإيفواري الحسن واتارا في هذا الظرف يمكن قراءته بوصفه محاولة لتقوية جبهة التواصل بين دولتين تشتركان في القلق من تمدد الأزمة الأمنية خارج حدود دول الساحل، وإن كانت نواكشوط تحرص، حتى الآن، على عدم الانخراط في اصطفاف صريح ضد باماكو أو واغادوغو أو نيامي.
فموريتانيا تدرك أن حدودها الطويلة مع مالي تجعلها الأكثر حساسية تجاه أي انفلات أمني في الجوار، كما تدرك في الوقت نفسه أن الدخول في مواجهة سياسية مباشرة مع دول الساحل قد يكون مكلفا أمنيا واقتصاديا.
الساحل يعيد ترتيب تحالفاته..
وتأتي هذه التطورات في وقت تشهد فيه المنطقة إعادة تشكيل واسعة للتحالفات، فالجزائر فتحت في الأيام الأخيرة قنوات واسعة مع دول الساحل الثلاث، وذهبت إلى دعم النيجر عسكريا عبر تسليمها مروحيات وتجهيزات عسكرية ولوجستية، بالتوازي مع دعم اقتصادي لبوركينا فاسو وانفتاح سياسي لافت على مالي، بعد فترة طويلة من التوتر بين الجزائر وباماكو.
وفي الجهة الأخرى، عززت الرباط علاقاتها مع مالي، من خلال انعقاد اللجنة العليا المشتركة بين البلدين وتوقيع اتفاقيات اقتصادية وصفها الطرفان بأنها الأكبر في تاريخ العلاقات الثنائية، بينما تحدث وزير الخارجية المغربي عن مستوى مرتفع من الثقة وشراكة قوية بين الرباط وباماكو.
أما عسكريا، فتتجه دول الساحل الثلاث إلى تنويع مصادر التسليح بعيدا عن الشركاء الغربيين التقليديين، مستفيدة من تعاون متنام مع روسيا وتركيا وإيران، وهو تطور يثير قلق بعض دول غرب إفريقيا المطلة على المحيط الأطلسي، ومنها كوت ديفوار، التي عبر وزير دفاعها للأتراك، عن انزعاج بلاده من هذا التحول العسكري المتسارع.
وفي المقابل، فتحت تشاد، التي كانت لسنوات حليفا أمنيا مهما لفرنسا، نافذة جديدة في علاقتها مع باريس، مع بدء الحديث عن تنسيق يسمح بعودة حضور فرنسي إلى الأراضي التشادية بعد قرابة عامين من مغادرة القوات الفرنسية.
وهكذا، لا يبدو الساحل اليوم أمام مجرد أزمة أمنية، بل أمام إعادة صياغة شاملة لخريطة النفوذ والتحالفات في غرب ووسط إفريقيا.
باريس تبحث عن موطئ قدم جديد..
ومن هنا تبرز فرنسا في خلفية المشهد، وإن لم تكن حاضرة بالضرورة في الصورة الرسمية للزيارة، فباريس خسرت خلال السنوات الأخيرة مواقع نفوذ مهمة في مالي وبوركينا فاسو والنيجر، بينما تحاول الاحتفاظ بعلاقات قوية مع دول مثل موريتانيا وكوت ديفوار والغابون وتشاد.
وفي هذا السياق، يرى بعض المراقبين أن التقارب الموريتاني الإيفواري يمكن أن يندرج ضمن مسعى أوسع للحفاظ على شبكة من الدول التي لا تزال قادرة على التواصل مع مختلف أطراف الأزمة، خصوصا مع حديث عن محاولات فرنسية لفتح نافذة جديدة باتجاه دول الساحل عبر الجزائر.
وإذا صح هذا التقدير، فإن أبيدجان ونواكشوط قد تتحولان إلى نقطتي اتصال مهمتين في مرحلة تبحث فيها باريس عن صيغة جديدة للحضور في إفريقيا، لا تشبه بالضرورة نموذج الوجود العسكري القديم.
بين واتارا وغزواني.. السياسة حاضرة أيضا
لكن اختزال زيارة غزواني في بعدها الأمني وحده قد يكون تبسيطا للمشهد، فالعلاقة الشخصية والسياسية بين الرئيسين محمد ولد الشيخ الغزواني والحسن واتارا تحمل هي الأخرى دلالات مهمة.
فالرئيسان يرتبطان بعلاقات سياسية وشخصية انعكست في ملفات عدة، وكان من أبرز ثمارها وصول الموريتاني سيدي ولد التاه إلى رئاسة مجموعة البنك الإفريقي للتنمية، في محطة تعكس مستوى الثقة والتنسيق بين نواكشوط وأبيدجان.
كما أن تجربة كوت ديفوار خلال عهد واتارا تثير اهتماما في موريتانيا، سواء على مستوى التحول العمراني والاقتصادي الذي شهدته البلاد، أو على مستوى إدارة المسار السياسي والدستوري الذي سمح لواتارا بالترشح لولاية ثالثة.
ومن الطبيعي، وفق دارسين للشأن السياسي في البلدين، أن تكون التجربة الإيفوارية موضع اهتمام في نواكشوط، خصوصا في ظل النقاش الموريتاني المتزايد حول المستقبل السياسي للرئيس غزواني، لكن تحويل هذا الاهتمام إلى قرار سياسي موريتاني محسوم سيكون قفزة أبعد مما تسمح به المعطيات المتاحة حاليا.
فإذا كانت التجربة الدستورية الإيفوارية قد تكون مثار دراسة، فإن تجربة أبيدجان الاقتصادية والعمرانية لا تقل إغراء بالنسبة إلى نواكشوط، التي تبحث عن تسريع وتيرة التنمية وتحويل العاصمة والمدن الكبرى إلى واجهات أكثر قدرة على جذب الاستثمار.
زيارة قصيرة.. ورسائل كثيرة
ولعل أكثر ما يلفت في زيارة غزواني إلى أبيدجان هو قصر مدتها، فزيارة تمتد ساعات فقط، في ظل هذا الكم من الملفات الإقليمية المتشابكة، توحي بأن المقصود لم يكن إطلاق مسار طويل من الاتفاقيات والمشاريع، بقدر ما كان تثبيت قنوات الاتصال وإجراء مشاورات سياسية وأمنية في لحظة دقيقة.
كما أن مرافقة مدير الأمن الخارجي للرئيس غزواني خلال الزيارة تعكس، في حد ذاتها، حساسية الظرف الأمني الذي تجري فيه، وإن كان لا يمكن اعتبار ذلك دليلا منفردا على وجود ترتيبات أمنية استثنائية بين نواكشوط وأبيدجان.
ولعل المفارقة الأكثر تعبيرا عن واقع المنطقة جاءت من الجالية الموريتانية في أبيدجان نفسها، فبدلا من أن تنشغل فقط بالترحيب بالرئيس، رفعت أصواتها مطالبة برحلة جوية مباشرة بين أبيدجان ومدينة النعمة عاصمة الحوض الشرقي.
ذلك المطلب البسيط في ظاهره يحمل دلالة تتجاوز الطيران والنقل، فالنعمة وأبيدجان تبدوان، في حسابات الجغرافيا الاقتصادية، بعيدتين، لكنهما أصبحتا أقرب في حسابات الهواجس الأمنية والهجرة والتجارة، بعدما باتت طرق العبور البرية في المنطقة أكثر خطورة وتعقيدا.
بين العاصفة ونافذة النجاة..
في النهاية، تبدو زيارة غزواني إلى كوت ديفوار كأنها محاولة لفتح نافذة في جدار إقليمي آخذ في الارتفاع، فموريتانيا لا تستطيع تجاهل ما يجري على حدودها الشرقية، وكوت ديفوار لا تستطيع تجاهل انتقال ارتدادات أزمة الساحل نحو دول خليج غينيا.
وبين تحالف الساحل الذي يعيد بناء نفسه، ونيجيريا التي تدافع عن دورها الإقليمي، والجزائر التي توسع حضورها في منطقة الساحل، والمغرب الذي يمد جسورا اقتصادية وسياسية مع باماكو، وروسيا وتركيا وإيران التي تملأ فراغا عسكريا متزايدا، وفرنسا التي تبحث عن صيغة جديدة للعودة، تتحرك نواكشوط بحذر شديد.
ولذلك قد تكون الساعات التي قضاها غزواني في أبيدجان قصيرة زمنيا، لكنها جاءت في لحظة تحتاج فيها موريتانيا إلى أكثر من مجرد حليف اقتصادي، إنها تبحث، وسط عاصفة الساحل، عن شركاء قادرين على فهم المخاطر نفسها، وربما عن مساحة سياسية وأمنية تسمح لها بالبقاء خارج الاصطفاف، من دون أن تبقى وحيدة في مواجهة تداعياته.
فالرسالة الأهم في الزيارة قد لا تكون ما قيل أمام الكاميرات، وإنما ما تفرضه الجغرافيا خلفها، فحين تضيق المسافة بين أزمة الساحل وخليج غينيا، تصبح أبيدجان ونواكشوط أقرب إلى بعضهما مما توحي به الخريطة.



