التمييز الإيجابي: فرصة أم انتهازية..؟ معركة شباب لحراطين الجديدة

بواسطة abbe

اصنيب محمد صحفي ومحلل سياسي

تعود القضية الحراطينية بإلحاح إلى واجهة النقاش العام في موريتانيا، غير أنها تبدو اليوم بصدد اتخاذ منحى جديد. فبعد أن ظلّت المطالب الحراطينية، زمناً طويلاً، تتمحور حول الاعتراف بالعبودية باعتبارها واقعاً تاريخياً، ومكافحة مخلفاتها، وتحقيق المساواة أمام القانون، ترفع شريحة من شباب لحراطين اليوم شعاراً جديداً في معركتها: التمييز الإيجابي.

قد تبدو الفكرة جذابة للوهلة الأولى. فهي تنطلق من حقيقة يصعب إنكارها: أن المساواة القانونية المجردة لا تكفي دائماً لإنتاج مساواة فعلية، حين تكون أجيال بأكملها قد طبعتها عقود من الإقصاء والفقر والجهل أو الحرمان من فرص متكافئة.

لكن هنا تحديداً يبدأ الجدل. فالفاصل بين تصحيح مظلمة تاريخية وإضفاء طابع مؤسسي على اختلاف المعاملة فاصل دقيق. وقد يكون التمييز الإيجابي أداة قوية لجبر الضرر، لكنه قد يتحول، إذا أسيء تصميمه، إلى مصدر جديد للظلم والاستياء، وقبل ذلك كله، إلى مجال خصب للانتهازية.

1. جَبْرُ التاريخ دون صناعة مظالم جديدة

 

لا تستطيع موريتانيا أن تتنكر لتاريخها. فمخلفات العبودية لا تزول بمرسوم، ولا تمحى بمجرد إعلان قانوني. إنها قد تستمر في العقليات، وفي البنى الاجتماعية، وفي مستويات التعليم، وفي فرص امتلاك الثروة، وفي الشبكات الاقتصادية، وأحياناً في المسارات المهنية.

ومن ثم، فإن التصرف وكأن جميع المواطنين انطلقوا من نقطة البداية نفسها سيكون شكلاً من أشكال إنكار الواقع. غير أن الاعتراف بالتفاوتات التاريخية لا يعني بالضرورة أن كل شخص ينتمي إلى فئة عانت تاريخياً من التهميش يجب أن يحصل تلقائياً على أفضلية في مواجهة شخص آخر.

وهنا تحديداً يصبح مفهوم التمييز الإيجابي إشكالياً.

فالعدالة لا تعني ببساطة أن نعطي أكثر لمن يملك أقل، وإنما تعني أيضاً أن نحدد لماذا يملك أقل، ومقدار ما ينقصه، وكيف يمكن تضييق هذه الفجوة بصورة مستدامة.

وعليه، ينبغي للسياسة العامة الجادة أن تتجه إلى معالجة الأسباب العميقة للإقصاء: الأمية، والتسرب المدرسي، والفقر، وغياب التأهيل المهني، ومحدودية الوصول إلى الائتمان، وأشكال التمييز التي قد تطال بعض القطاعات، والآليات الاجتماعية التي تعيد إنتاج التهميش وتكرسه.

أما إذا اكتفينا بحجز الوظائف أو المناصب أو الامتيازات على أساس الانتماء المجتمعي المفترض، فإننا نجازف بمعالجة النتائج من دون أن نمسّ الأسباب.

2. فخُّ الهوية باعتبارها جوازَ عبورٍ اجتماعي

 

هناك خطر آخر، أكثر خفاءً: تحويل الهوية إلى رأسمال.

ففي مجتمع يمكن لبعض الانتماءات فيه أن تفتح الأبواب، تصبح إغراءات تحويل المطالبة بالهوية إلى جواز عبور اجتماعي كبيرة.

وهنا يمكن للتمييز الإيجابي أن يتحول إلى سلاح ذي حدين.

فهو، إذ يهدف في البداية إلى جبر الضرر، قد ينتهي تدريجياً إلى تكريس منطق الريع. وإذ يراد منه منح فرصة لمن حُرم منها، قد يفضي في نهاية المطاف إلى ترسيخ فكرة مفادها أن الانتماء إلى فئة معينة يكفي، في حد ذاته، لتبرير الحصول على امتياز.

وعندها قد نرى جيلاً جديداً من النشطاء تصبح بالنسبة إليه المطالبة الاجتماعية أقل ارتباطاً بتغيير المجتمع وأكثر ارتباطاً بوسيلة للوصول إلى المناصب والتعيينات والامتيازات.

ولا ينبغي أن تتحول المعركة المشروعة ضد الإقصاء إلى منافسة على توزيع الحصص. فذلك سيكون تناقضاً عميقاً مع جوهر القضية. إذ إذا كان الهدف هو بناء مجتمع يقوم على المواطنة، فمن المفارقة أن نعيد، باسم جبر الضرر، تكريس الفئات الهوياتية ذاتها التي يفترض أننا نسعى إلى تجاوزها.

3. شباب لحراطين بين مشروعية المطالبة وإغراء الانتهازية

 

لا شك أن لدى شباب لحراطين أسباباً وجيهة للمطالبة بمزيد من العدالة الاجتماعية. ومن حقهم كذلك أن يتساءلوا عن آليات إعادة إنتاج التفاوتات، وأن يطالبوا الدولة بضمان تكافؤ الفرص.

لكن المطالبة العادلة لا تصبح، بالضرورة، عادلة في جميع وسائل تحقيقها. ومن هنا، فإن التمييز بين طلب العدالة وطلب الامتياز أمر جوهري.

إن المطالبة بتمثيل أفضل في الإدارة، والجيش، والمؤسسات العمومية، والجامعات، والمؤسسات الاقتصادية، يمكن أن تكون مشروعة إذا ثبت وجود اختلال بنيوي، وكان الهدف هو تصحيح تفاوت حقيقي.

أما اعتبار أن كل منصب ينبغي أن يعود، بالأولوية، إلى شخص معين بسبب انتمائه إلى جماعة بعينها، فمعناه استبدال تمييز بتمييز آخر.

لا يجوز التضحية بالاستحقاق على مذبح جبر الضرر. لكن الاستحقاق نفسه لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة لإدامة التفاوتات.

وهنا تكمن المعضلة كلها.

4. الاستحقاق من دون تكافؤ الفرص ليس سوى شعار

 

كثيراً ما نسمع القول إنه ينبغي ببساطة «التوظيف على أساس الاستحقاق». لكن السؤال الذي يسبق ذلك هو: هل أُتيحت للجميع الفرص نفسها لصناعة هذا الاستحقاق؟

فالطفل الذي ينشأ في أسرة فقيرة، من دون تعليم ملائم، ولا مكتبة، ولا اتصال بالإنترنت، ولا مواكبة مدرسية، ولا شبكة علاقات اجتماعية، لا يمتلك بالضرورة الأدوات نفسها التي يمتلكها طفل آخر تتوفر له كل هذه الموارد.

ثم تأتي المقارنة بين نتائج الاثنين، ويقال: «الأفضل هو الذي يجب أن يفوز». وقد يمنح ذلك المنافسة المختلة بعمق مظهراً زائفاً من مظاهر الإنصاف.

ولهذا فإن التمييز الإيجابي الحقيقي ينبغي أن يبدأ في مرحلة أبكر بكثير من مرحلة التعيين في المناصب.

ينبغي أن يبدأ من المدرسة.

أن يمر عبر المنح الدراسية، والمدارس الداخلية، والتكوين المهني، وإتاحة الولوج إلى الجامعات، وتعلم المهن والحرف، وتمويل المشاريع، ومواكبة رواد الأعمال، ومحاربة التسرب المدرسي.

وبعبارة أخرى: علينا أن نهيئ شروط الاستحقاق قبل أن نقيس الاستحقاق.

وربما تكون هذه هي الصورة الأكثر ذكاءً للتمييز الإيجابي.

5. من جبر الضرر إلى التحرر

 

ينبغي للسياسة العامة الموجهة إلى الفئات التي عانت تاريخياً من التهميش ألا يكون هدفها صناعة مستفيدين دائمين، بل صناعة مواطنين مستقلين وقادرين على الاعتماد على أنفسهم.

والفرق بين الأمرين جوهري.

فإذا مكّن التمييز الإيجابي جيلاً من تجاوز عائق تاريخي، أمكن الدفاع عنه وتبريره. أما إذا تحول إلى آلية دائمة لتوزيع المواقع والمناصب، فإنه قد يفضي إلى خلق تبعية سياسية واجتماعية.

إن النجاح الحقيقي لأي سياسة لجبر الضرر يكمن تحديداً في أن تصبح، مع مرور الوقت، غير ضرورية.

فالمجتمع الشامل حقاً هو المجتمع الذي لا يعود فيه شباب لحراطين بحاجة إلى المطالبة بحجز مكان لهم، لأن تكوينهم وكفاءاتهم ونجاحاتهم تتيح لهم الوصول، بصورة طبيعية، إلى مختلف مواقع المسؤولية.

ومن ثم، فإن أفضل أشكال جبر الضرر ليس بالضرورة الحصة أو الكوتا، وإنما التحرر والتمكين.

6. على الدولة أن تحارب الإقصاء لا أن تنظم الجماعات

 

تقع على عاتق الدولة مسؤولية ضمان المساواة أمام القانون ومحاربة جميع أشكال التمييز. لكنها مطالبة، في الوقت نفسه، بتجنب تحويل الانتماءات الاجتماعية إلى معايير دائمة لإدارة الشأن العام.

ولا ينبغي النظر إلى القضية الحراطينية باعتبارها قضية مجتمعية محضة، فهي في جوهرها أيضاً قضية وطنية: قضية الفقر، والتعليم، والحراك الاجتماعي، والعدالة، والمواطنة.

إن اختزال المشكلة في مجرد توزيع المناصب سيكون خطأً فادحاً. كما أن إنكار وجود مخلفات العبودية سيكون خطيئة لا تقل خطورة.

وبين هذين الطرفين المتناقضين، توجد على الأرجح الطريق الأكثر صعوبة وإلحاحاً: الاعتراف بالمظالم التاريخية، وتصحيح الاختلالات الحقيقية، مع الحفاظ على فكرة المواطنة المشتركة.

لن تكسب موريتانيا شيئاً من استبدال هرم اجتماعي قديم بمنافسة جديدة بين الهويات.

لكنها ستكسب الكثير إذا بنت مدرسة تمنح أبناءها فرصاً متكافئة، وإدارة توظف بشفافية، واقتصاداً يكافئ الكفاءة، ودولة تحمي أولئك الذين هم فعلاً في دائرة الهشاشة.

وعليه، يمكن أن يكون التمييز الإيجابي فرصة، شرط أن يُصمم باعتباره جسراً نحو المساواة، لا ريعاً جديداً.

فالخطر يبدأ عندما يتوقف جبر الضرر عن كونه وسيلة، ويتحول إلى غاية في حد ذاته.

وعند هذه النقطة تحديداً، يمكن للفرصة أن تنقلب إلى انتهازية.

اصنيب محمد
صحفي ومحلل سياسي