بعد سبع سنوات من حكم الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، ومع تصاعد الأصوات المطالبة بتعديل الدستور بما يسمح له بالترشح لولاية ثالثة، يحق للموريتانيين أن يطرحوا سؤالاً جوهرياً يتجاوز شخص الرئيس إلى مستقبل الدولة ومؤسساتها: هل تحتاج موريتانيا فعلاً إلى تمديد السلطة، أم إلى بناء دولة قوية تحترم دستورها وقوانينها وتضمن التداول السلمي على الحكم؟ انتُخب الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني سنة 2019، ثم أعيد انتخابه سنة 2024 لولاية رئاسية ثانية، وهي الولاية التي أكد المجلس الدستوري أنها الثانية والأخيرة وفقاً لأحكام الدستور. ومن ثم، فإن الحديث عن ولاية ثالثة لا يمكن اختزاله في مجرد نقاش سياسي عابر، لأنه يتعلق بجوهر النظام السياسي وبمدى احترام قواعد اللعبة الديمقراطية التي يفترض أن تكون أساس الاستقرار واستمرارية الدولة. وبعد سبع سنوات من الحكم، تقدم السلطة حصيلة إيجابية تتحدث عن الاستقرار والمشاريع التنموية والبرامج الحكومية، غير أن تقييم أي تجربة حكم لا ينبغي أن يقتصر على الأرقام والخطابات الرسمية، وإنما يفترض أن ينطلق أيضاً من واقع المواطن وحياته اليومية. فأين يقف الشباب أمام البطالة التي تدفع أعداداً متزايدة منهم إلى اليأس والهجرة؟ وماذا تحقق في التعليم، وهو القطاع الذي يفترض أن يصنع مستقبل الأجيال؟ وماذا عن الصحة التي لا تزال تواجه اختلالات متعددة رغم الوعود المتكررة بالإصلاح؟ وماذا عن الفقر والتفاوت الاجتماعي والفساد والشفافية، وعن مدى استفادة المواطن من الثروات الوطنية؟ فموريتانيا بلد غني بالغاز والحديد والذهب والثروة السمكية والأراضي الزراعية، لكن السؤال الذي يظل مطروحاً بإلحاح هو: أين ينعكس هذا الغنى على حياة المواطن العادي؟ وهل تحولت هذه الثروات إلى فرص عمل وخدمات أفضل وتحسين فعلي لمستوى المعيشة، أم أن عوائدها لا تزال بعيدة عن متناول غالبية السكان؟ ويزداد هذا السؤال إلحاحاً في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وزيادات أسعار المحروقات، في وقت تتآكل فيه القدرة الشرائية للأسر وتبقى الأجور عاجزة عن مواكبة ارتفاع الأسعار. كما أن أزمة الكهرباء التي شهدت انقطاعات متكررة في نواكشوط ومدن الداخل أصبحت من أكثر الملفات إثارة للقلق، خصوصاً عندما تمتد الانقطاعات إلى مرافق حيوية ومؤسسات صحية، حيث لا يعود انقطاع التيار مجرد إزعاج يومي، وإنما قد يتحول في بعض الحالات إلى خطر على حياة المرضى. وهنا يطرح المواطن سؤالاً مشروعاً: ما جدوى الحديث عن الإنجازات الكبرى والتنمية والاستثمارات إذا كانت الدولة لا تزال تواجه صعوبة في توفير الخدمات الأساسية بصورة مستقرة؟ فالدولة القوية لا تقاس بعدد المؤتمرات والخطب والمشاريع المعلنة، وإنما بقدرتها على حماية المواطن وضمان كرامته وتوفير الخدمات الضرورية وتحسين ظروف حياته. وإلى جانب ذلك، تفرض قضايا المخدرات والجريمة المنظمة وتبييض الأموال نفسها على المشهد الوطني، خصوصاً مع ظهور ملفات وتحقيقات ذات امتدادات إقليمية ودولية، وهي قضايا لا يجوز أن تكون مدخلاً لاتهام أي شخص من دون أدلة أو أحكام قضائية، لكنها في المقابل تفرض على الدولة تعزيز الشفافية وتطبيق القانون على الجميع دون استثناء، والتعامل بجدية مع كل ما من شأنه تهديد الأمن الاقتصادي والاجتماعي للبلاد، لأن دولة القانون لا ينبغي أن تتحول فيها السلطة أو النفوذ أو العلاقات السياسية إلى مظلة تحمي أصحابها من المساءلة. وعلى المستوى الدبلوماسي، شهدت موريتانيا خلال السنوات الأخيرة حضوراً إقليمياً ودولياً أكبر، وهو أمر إيجابي ينبغي البناء عليه، غير أن قوة الدبلوماسية لا تقاس فقط بعدد الزيارات والقمم والبيانات، وإنما بقدرتها على حماية المصالح الوطنية، والدفاع عن المواطنين، وجذب الاستثمارات، وتعزيز الأمن، وحماية الثروات، وصيانة القرار السيادي. والسيادة ليست شعاراً يرفع في المناسبات، بل هي قدرة الدولة على اتخاذ قراراتها بحرية والدفاع عن مصالحها العليا في مختلف المحافل. وفي المحصلة، فإن القضية الحقيقية ليست شخص الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، وإنما مستقبل النظام السياسي الموريتاني نفسه؛ فالدول القوية لا تُبنى على الأشخاص مهما كانت مكانتهم، وإنما على المؤسسات والقوانين، والرؤساء يأتون ويرحلون، والحكومات تتغير، والأغلبية قد تصبح معارضة، كما يمكن للمعارضة أن تصل إلى السلطة، لكن الدولة يجب أن تبقى أقوى من الجميع. أما ربط استقرار البلاد ببقاء شخص واحد في الحكم، فإنه يحمل مخاطرة حقيقية على مستقبل المؤسسات، لأنه يرسخ في الوعي العام فكرة أن الدولة لا تستطيع الاستمرار إلا من خلال الأشخاص، لا من خلال القواعد والقوانين. وبعد سبع سنوات من الحكم، ربما لا تحتاج موريتانيا إلى فتح معركة سياسية جديدة حول تعديل الدستور وتمديد السلطة بقدر حاجتها إلى ترسيخ دولة المؤسسات، وتعزيز استقلال القضاء، ومحاربة الفساد، وتكريس الشفافية في إدارة الثروات الوطنية، وتحسين الخدمات الأساسية، وخلق فرص العمل للشباب، والاستثمار الجاد في التعليم والصحة. فالثروة الحقيقية لموريتانيا ليست الغاز والذهب والحديد والأسماك وحدها، وإنما الإنسان الموريتاني نفسه، ومستقبل هذا الإنسان يجب أن يكون محور أي مشروع سياسي وتنموي. ولذلك فإن السؤال الأهم اليوم ليس: كيف نبقي الرئيس في السلطة؟ وإنما: كيف نبني دولة قوية وعادلة وقادرة على الاستمرار والتقدم مهما تغير الرؤساء والحكومات؟ موريتانيا تحتاج إلى التداول السلمي على السلطة لا إلى تمديدها، وإلى دولة المؤسسات لا دولة الأشخاص، وإلى الشفافية والمساءلة والعدالة الاجتماعية، وإلى مستقبل يليق بأبنائها، بدلاً من إعادة إنتاج أزمات الماضي.
المختار جلدي رئيس مكتب حركة كفانا باريس



