التيار (نواكشوط) - خلصت لجنة التحقيق المستقلة في حريقي محطتي التحويل الكهربائي التابعتين للشركة الموريتانية للكهرباء «صوملك» في نواكشوط الشمالية والغربية إلى وجود صلة مباشرة بين الحريقين ووصلات كهربائية جديدة بجهد 33 كيلوفولت، دخلت الخدمة قبل أيام قليلة من اندلاع الحريقين، فيما أوصى التقرير باتخاذ إجراءات إدارية وتعاقدية وقانونية، من بينها إحالة ملفات إلى السلطات القضائية وتعليق مدفوعات مرتبطة بصفقة وإنهاء إجراءات فسخها.
ووفق الملخص التنفيذي لتقرير اللجنة، فإن الحريقين اللذين اندلعا يومي 21 و22 أغسطس الماضي تسببا في اضطرابات واسعة في التزويد بالكهرباء بنواكشوط، استمرت بين ثلاثة وخمسة أيام بحسب الأحياء، وقدّرت الخسائر الاقتصادية الناجمة عنهما بنحو 0.07% من الناتج المحلي الإجمالي للربع الثالث من 2026، إضافة إلى تكاليف مباشرة تجاوزت 220 مليون أوقية جديدة، فيما قدرت «صوملك» تكلفة إعادة تأهيل المحطتين المتضررتين بـ143.9 مليون أوقية جديدة.
وبحسب التقرير، ركزت التحقيقات على الوصلات الكهربائية الجديدة، بعد أن أظهرت المعطيات وجود علاقة مباشرة بينها وبين الحريقين، حيث دخلت الوصلة المعنية بالمحطة الشرقية الخدمة في 15 أغسطس، فيما دخلت الوصلة بالمحطة الشمالية الخدمة في 20 أغسطس.
وحدد التحقيق نقطة بداية الحريقين في خلايا بجهد 33 كيلوفولت المستخدمة لهذه الوصلات، غير أنه لم يتمكن من تحديد الآلية الفنية الدقيقة التي أدت إلى نشوء الشرارة الكهربائية أو تحديد موضع العطل الأولي بشكل قاطع، سواء تعلق الأمر بالكابل أو أطرافه أو علب الوصل.
ورجحت الخبرات الفنية وجود خلل موضعي في أحد ملحقات الكابل أو أطرافه أو علب الوصل، ربما أدى إلى ارتفاع تدريجي في الحرارة أعقبه تشكل قوس كهربائي، مع ترجيح سيناريو حدوث سخونة عند نقطة التماس بين الشاشة المعدنية للكابل وموصل التأريض، دون استبعاد فرضيات فنية أخرى.
وأكد التقرير عدم ثبوت أي معطى يشير إلى أن الحريقين نتجا عن فعل متعمد أو خطأ في التشغيل.
وسجلت اللجنة أوجه قصور قالت إنها قد تكون أسهمت في انتشار الحريقين وتفاقم آثارهما، من بينها التأخر أو القصور في عزل العطل الكهربائي المحتمل، وغياب مصادقة رسمية على حسن اشتغال سلسلة الحماية الكهربائية، إضافة إلى غياب أعوان «صوملك» في الموقع للتدخل الفوري باستخدام وسائل الإطفاء المتاحة.
كما أشار التقرير إلى عدم وجود حواجز تحول دون انتشار النيران بين مجموعات الخلايا، ووجود مواد قابلة للاشتعال داخل الخلايا والكابلات الممتدة في قنوات أرضية، فضلا عن عدم كفاية أجهزة الكشف عن الحرائق ووسائل الإطفاء.
وسجلت اللجنة كذلك بطء منظومة التدخل، بسبب طول الفترة بين رصد الحريق وإطلاق الإنذار ووصول عناصر الحماية المدنية وتدخلهم الفعلي، إلى جانب صعوبة الوصول إلى المواقع المتضررة.
ولم تطل النيران مباشرة خلايا 15 كيلوفولت القريبة من مناطق الحريق، لكنها تعرضت لحرارة مرتفعة ومياه عمليات الإطفاء، قبل أن تتمكن «صوملك» لاحقا من إعادة تشغيل المحطتين باستخدام حلول مؤقتة.
وأظهر التقرير وجود أوجه قصور على مستويات مختلفة في إعداد مشروع الوصلات الجديدة وتنفيذه، مشيرا إلى أن هذه الأوجه يمكن أن تترتب عليها مسؤوليات مؤسسية أو وظيفية أو تعاقدية، مع التشديد على أن ثبوت الخلل لا يعني بالضرورة أنه تسبب في اندلاع الحريقين أو تفاقمهما.
وركزت اللجنة في هذا الجانب على ظروف تنفيذ مشروع توريد وتركيب وتشغيل ثلاث وصلات بجهد 33 كيلوفولت، المنفذ في إطار صفقة أُسندت إلى شركة «ستم للبناء» (CTM)، وتولت شركة «IRAF» الاستشارية متابعة تنفيذها.
وأوصى التقرير بتعليق أي دفع أو استلام في إطار الصفقة المتعلقة بالوصلات الجديدة المسندة إلى «ستم»، والشروع، بعد استكمال الإجراءات المطلوبة وتوجيه إنذار، في إجراءات فسخها، مع اتخاذ التدابير اللازمة لضمان استكمال مشروع الوصلات.
كما أوصى بإحالة ملف إسناد الصفقة وملف الصفقة المسندة إلى التجمع الذي تنتمي إليه «ستم» إلى سلطة تنظيم الصفقات العمومية، لفحص شروط التأهيل، خاصة في ضوء طعن رسمي من الشركة الوطنية للصناعة والمناجم «اسنيم» في صحة شهادة حسن تنفيذ قدمت ضمن ملف الصفقة.
ودعت اللجنة «صوملك» إلى إحالة هذه العناصر والوثائق المرتبطة بها إلى السلطات القضائية المختصة لتقييم ما قد يترتب عليها من آثار أو متابعات جزائية وفق القانون.
كما أوصى التقرير بمراجعة وضعية صفقات أخرى مرتبطة بشركة «ستم» وتجمعات أخرى، وتقييم مدى استيفائها للشروط القانونية والفنية وقدرتها على الوفاء بالتزاماتها التعاقدية.
وشملت توصيات اللجنة إعادة تأهيل المحطتين المتضررتين وفق إجراءات استعجالية مطابقة للقواعد، والاستعانة بمهندس استشاري مستقل لإعداد دفاتر الالتزامات ومتابعة الأشغال، مع اشتراط التحقق الموثق من مطابقة المنشآت وأنظمة الحماية قبل إعادة تشغيلها.
كما أوصى التقرير بإجراء تشخيص شامل لمنظومة الحماية في محطات التحويل الرئيسية، وإعادة تأهيل المركز الوطني للتحكم، وتعزيز المراقبة والاستجابة الأولية للطوارئ، وضمان وجود بشري دائم في المحطات الرئيسية والمواقع الحساسة.
ودعت اللجنة إلى وضع بروتوكول عملياتي مشترك بين «صوملك» والحماية المدنية يحدد آليات الإنذار والتدخل وتوزيع المسؤوليات والوسائل الواجب تعبئتها في حالات الطوارئ، إلى جانب إعداد تشخيص مستقل وشامل لمنظومة السلامة من الحرائق في مختلف منشآت الشركة.
كما أوصت بوضع إجراءات رسمية للعزل والتأمين وإعادة تشغيل الشبكات الكهربائية، تحدد المسؤوليات ومراحل التحقق وشروط إعادة التشغيل.
وخلص التقرير إلى أن الحريقين كشفا عن هشاشة أوسع داخل الشركة الموريتانية للكهرباء، مشيرا إلى أن الاستثمارات التي رفعت قدرات الإنتاج والنقل لم تواكبها، بحسب اللجنة، زيادة مماثلة في التنظيم والكفاءات وإجراءات التسيير وقدرات القيادة اللازمة لاستغلال البنية التحتية الجديدة.
وفي هذا السياق، أوصت اللجنة بإسناد إدارة المشاريع الاستثمارية الهيكلية في «صوملك» إلى هيئة متخصصة مستقلة تنظيميا عن وحدات الاستغلال الجاري، ومجهزة بالكفاءات والوسائل اللازمة لإدارة المشاريع الكهربائية الكبرى ومراقبة تنفيذها.
كما دعت إلى مراجعة منظومة قيادة مكون الكهرباء ضمن البرنامج الاستعجالي، وتعزيز التنسيق والرقابة والمتابعة، والاستعانة بمشغل عمومي مرجعي في قطاع الكهرباء لمواكبة الشركة في مراجعة هيكلتها التنظيمية، وتطوير مواردها البشرية، وتحديث إجراءات التشغيل والصيانة، وإرساء منظومة لإدارة الجودة.
واقترح التقرير كذلك وضع خطة متعددة السنوات للتوظيف والتكوين وتنمية الكفاءات، وإضفاء مزيد من المهنية على اختيار الأطر والقيادات، وتسوية العلاقات المالية بين الدولة و«صوملك»، بما في ذلك معالجة المديونية وتطبيق التعريفات المحددة من سلطة التنظيم، والعمل على خفض الخسائر التجارية للشركة.
وتضمنت التوصيات إنشاء آلية لمتابعة تنفيذ توصيات اللجنة، من خلال لجنة مصغرة تتولى مراقبة مستوى التقدم ورفع تقارير دورية بشأن التنفيذ.
وكانت لجنة التحقيق المستقلة قد شكلت بموجب مقرر صادر عن الوزير الأول في 25 أغسطس 2026، عقب زيارة رئيس الجمهورية للمحطتين المتضررتين في 24 من الشهر نفسه، وحددت مهمتها في إجراء تحقيق مستقل حول أسباب الحريقين وملابساتهما والمسؤوليات المرتبطة بهما، واقتراح التدابير التصحيحية والوقائية اللازمة.



