بقلم: سيدنا عزيز
ليست الأعلام في مراتبها سواء، ولا الرجال في آثارهم أكفاء؛ فمنهم من تنتهي سيرته بانقضاء ولايته، وينحسر ذكره بانحسار سلطانه، فلا يبقى من خبره إلا رسم في سجل الوظائف وأثر في دفاتر الإدارة؛ ومنهم من تتجاوز شخصيته حدود المنصب، وتستعصي مآثره على الحصر، فتغدو سيرته صفحة من تاريخ وطن، وعنوانًا لجيل، وشاهدًا على عصر تتدافع فيه التحولات، وتتنازع فيه القيم والاتجاهات. أولئك رجال جمعت لهم الأيام بين أصالة الموروث ومقتضيات الدولة الحديثة، وبين الثقافة الأصيلة ومناهج الجامعة، وبين حرارة النضال وروية التدبير، فكانوا أوسع من أن تستوعبهم وظيفة، وأبقى من أن يستنفد ذكرهم منصب.
وفي طليعة هذه الطينة من الرجال يبرز محمد فاضل ولد الداه؛ رجل القانون، والمثقف الموسوعي، والشاعر المجدد، والدبلوماسي المحنك، والسياسي الذي لم تحصره جهة من جهات المعرفة، ولم تستغرق طاقته مهمة من مهمات العمل العام. اجتمعت فيه خصال قلّ أن تتآلف في شخص واحد: سعة الاطلاع، ونفاذ البصيرة، وجزالة اللسان، ورجاحة العقل، وجودة التقدير، مع أدب جمّ، وتواضع لا يذهب بالهيبة، ووفاء لا تستبيحه مغايرة الرأي.
وليس من الإنصاف أن تُقرأ سيرته في تعاقب المناصب وحده، أو أن تُختزل في ألقاب المسؤولية وأعبائها؛ فذلك لا يكشف إلا ظاهر المسار، ويحجب ما وراءه من تكوين فكري، وامتداد ثقافي، وتجربة سياسية، ومواقف إنسانية. إنما تُقرأ هذه السيرة قراءة أعمق حين يُنظر إلى الخيط الناظم بين فصولها: عقلٌ يطلب المعرفة، ولسانٌ يحسن أداءها، وإرادةٌ تسعى إلى تنزيلها في الواقع، ونفسٌ تحفظ للإنسان منزلته، وللوطن حقه، وللصداقة عهدها.
أولًا: بيت القيادة ومهاد المسؤولية
نشأ محمد فاضل ولد الداه في بيت شريف عُرف بالقيادة والتدبير، وتوارث أهله خبرة الشأن العام وما يقتضيه من حصافة الرأي، وحسن النظر في العواقب، والقدرة على تدبير الاختلاف. ولم تكن التطلعات المعقودة عليه وليدة ما أحرزه لاحقًا من مكانة، بل ظهرت مبكرًا، حتى إن أسرته كانت ترى فيه، وهو ابن سبع سنين، ملامح قيادة يُرجى لها أن تنهض بأعباء المسؤولية.
وفي حفظ القرآن الكريم ما أسهم في توثيق صلته بالعربية، وإرهاف ذائقته، وإمداد ملكته البيانية بأصول راسخة؛ غير أن شخصيته لم تتشكل من رافد واحد، بل تآلفت فيها ثقافة عربية أصيلة، ودراسة قانونية نظامية، واحتكاك بتيارات الفكر والسياسة، وخبرة عملية في ميادين الإعلام والدبلوماسية وتدبير الشأن العام.
وهكذا لم يكن التكوين عنده تراكمًا للمعلومات فحسب، بل كان استجماعًا لأدوات الفهم، وتدريبًا للعقل على الموازنة، وتمرينًا للذهن على النفاذ من ظواهر المسائل إلى بواطنها. وتلك خصلة تميز صاحب الثقافة الحية من صاحب المحفوظ الجامد؛ إذ ليست العبرة بكثرة ما يستظهر المرء، وإنما بحسن ما يستنبط، وجودة ما يربط، وصواب ما ينتهي إليه من رأي.
ثانيًا: جيل التحول ومحنة الكلمة
ينتمي محمد فاضل ولد الداه إلى جيل لم تكن الثقافة عنده زينة للمجالس، ولا السياسة مطية للوجاهة، وإنما كانتا ميدانًا لمساءلة الواقع، ومنازلة الأفكار، والبحث عن صورة أخرى للمجتمع والدولة. كان جيلًا تتجاذبه أسئلة التحرر والعدالة والهوية، ويختبر في خضم التحولات الصلة بين المبدأ والممارسة، وبين ما يؤمن به الإنسان وما تسمح به الظروف المحيطة به.
وفي ذلك المناخ اتصل فاضل بحركة الكادحين، وبرز في العمل الثقافي والسياسي، وارتبط اسمه بكتابات «صيحة المظلوم»، التي كانت من منابر التعبير عن تطلعات ذلك الجيل ومراجعاته. ولم تكن الكتابة عنده تمرينًا لغويًّا منفصلًا عن الواقع، بل كانت ضربًا من المجاهرة بالرأي، ومساءلةً للسلطة الاجتماعية والسياسية، ومحاولةً لتقريب المسافة بين ضمير المثقف وشؤون الناس.
وتحفظ الروايات المتصلة بتلك المرحلة صورةً من مشقة إنتاج الكتابات وتداولها؛ إذ كانت بعض المواد تُطبع في ظروف سرية، بعيدًا عن أعين الرقابة، تحت غطاء يُتخذ ساترًا، وعلى ضوء المصابيح التقليدية المعروفة محليًّا بـ«الظويات»، فيما يتولى أحد الرفاق تشغيل آلة الطباعة وإعداد النسخ.
وليست هذه التفصيلة مجرد مشهد من مشاهد الماضي؛ إنها تختزل مناخًا كانت فيه الكلمة محفوفة بالمخاطر، وكان تداول الورقة يحتاج إلى حذر، وإنتاج النص يستدعي جرأة وصبرًا وتدبيرًا. وفي مثل تلك الظروف يُختبر معدن المثقف: أيرضى أن تكون معرفته زادًا خاصًّا، أم يحملها إلى المجال العام، متحملًا ما قد يترتب على ذلك من تبعات؟
وقد تركت تلك التجربة أثرها في مساره، إذ انتقل من ساحات النضال الثقافي والسياسي إلى ميادين القانون والإدارة والدبلوماسية، من غير أن تنقطع صلته بأسئلة جيله الأولى. فظل في سيرته امتداد بين زمن الكلمة وزمن المسؤولية، وبين المثقف الذي يناقش الأفكار ورجل الدولة الذي يواجه مقتضيات الواقع.
ثالثًا: نبوغ مبكر وعقل موسوعي
تتضافر الروايات المنقولة عن رفاق محمد فاضل ولد الداه في القاهرة على أن نبوغه ظهر مبكرًا، وأنه استرعى الأنظار بسرعة فهمه، وحدّة ذهنه، وطلاقة لسانه. فقد كان أحمد الوافي وبابا ولد محمد عبد الله من رفاقه في أول بعثة دراسية إلى القاهرة في مطلع ستينيات القرن الماضي، وقد تناقلت الروايات عنهما ما كان يُذكر من تميزه بين أقرانه، وما أحرزه من تقدير في الأوساط التي عرفته في تلك المرحلة.
وتكشف هذه الروايات عن صورة طالب لم يكن التحصيل عنده استظهارًا للدروس، بل قدرة على استيعاب المعاني، وسرعة في التقاط المقاصد، ومهارة في عرض الأفكار ومناقشتها. وهي خصال إذا اجتمعت في سن مبكرة كانت أمارة على استعداد ذهني يتجاوز المألوف، وإن كان اكتمال الموهبة يظل رهينًا بما يضاف إليها من قراءة وتجربة ومجاهدة.
وفي سياق دراسته القانونية في الرباط، ترد روايات عن تفوقه، منها ما يُنسب إلى الشيخ ولد باها، الذي كان زميلًا له في الدراسة، من أن تميزه كان يلفت انتباه أساتذته. وهذه الأخبار، وإن اختلفت سياقاتها، تلتقي عند معنى جدير بالاعتبار: أن فاضلًا كان صاحب ملكة عقلية قوية، تجمع بين سرعة الاستيعاب وحسن التحليل والقدرة على مناقشة المسائل من غير أن يضيع في تفاصيلها.
ولم تكن موسوعيته مجرد كثرة في المحفوظ، أو تنقل بين موضوعات شتى، بل كانت ضربًا من إحكام الصلات بين المعارف. فقد اجتمعت له الثقافة القانونية والأدبية والسياسية والتاريخية، وامتلك ذائقة شعرية متمكنة، ومعرفة بفنون القول ومقامات الخطاب، وقدرة على استحضار ما يلائم المقام من الشواهد والأفكار.
وشهد له من عرفوه في العمل العام بأنه كان ينتقل بين موضوعات مختلفة بسلاسة لا تكلف فيها؛ يتحدث في الشعر وموسيقاه، وفي العربية وطرائق أدائها، وفي الفكر والسياسة وشؤون الدولة، من غير أن يفقد وضوح العبارة أو حضور الذهن. وتلك سمة لا تُنال بكثرة القراءة وحدها، بل تحتاج إلى عقل يحسن التبويب، وملكة تقيم الصلات بين العلوم، وذوق يميز بين نفيس القول وسفسافه.
فالموسوعية الحقّة ليست أن يكون المرء حاضرًا في كل موضوع، بل أن يكون له في كل موضوع مدخل، وأن يعرف مواضع العلم وحدود الرأي، وأن يحسن الانتقال من الجزئي إلى الكلي، ومن الخبر إلى دلالته، ومن المعرفة إلى مقتضاها العملي. وفي هذا المعنى تتضح قيمة ما اجتمع لفاضل من ثقافة وتجربة.
رابعًا: ريادة القصيدة الحديثة وسلطان العربية
كان محمد فاضل ولد الداه من رواد شعراء القصيدة الحديثة في موريتانيا، ومن الذين سعوا إلى توسيع أفق التجربة الشعرية مع الاحتفاظ بصلتها بأصول العربية وذخائرها. فقد جمع بين معرفة بالشعر القديم ووعي بتحولات القصيدة الحديثة، وهو جمع لا يتأتى إلا لمن رسخت قدمه في اللغة، واستقامت ذائقته على معرفة بأوزان الشعر وصوره ومقاصده.
وليس التجديد في الشعر قطيعةً مع التراث، كما أن الوفاء للتراث ليس جمودًا عند صوره الموروثة؛ وإنما تكون الأصالة الحية في القدرة على استيعاب الموروث، وتمثل روحه، ثم الإفادة منه في بناء تجربة تستجيب لأسئلة العصر. ومن هذه الجهة تبرز أهمية تجربة فاضل الشعرية، بما مثّلته من تلاقح بين الذائقة العربية الراسخة والانفتاح على تحولات القول الشعري.
ولم تكن علاقته بالعربية علاقة اختصاص وظيفي، بل صلة أديب يعرف قدر اللفظ، ويزن العبارة بميزانها، ويدرك أن البيان ليس حُلية تُضاف إلى المعنى بعد اكتماله، وإنما هو من صميم طرائق بنائه وإبلاغه. وقد عُرف بفصاحة اللسان، ومتانة الخطاب، والقدرة على سبك الأفكار في عبارات محكمة، يجتمع فيها وضوح الدلالة وحسن الإيقاع.
وفي شهادات معاصريه ما يصور أثر حضوره حين يتكلم. فقد نقل حمزة ولد سيدي محمود أن قدوم فاضل كان يسترعي الأنظار، وأن المجلس كان ينصت إذا أخذ الكلام. ولا تنحصر دلالة هذه الصورة في الإعجاب بالفصاحة، بل تتجاوزها إلى اجتماع الحضور الشخصي بقوة الحجة وحسن الأداء؛ وهي خصال تمنح الكلمة وزنًا يتعدى عدد ألفاظها، وتجعل المتكلم قادرًا على استمالة الأسماع من غير افتعال.
وقد ظل هذا الجانب الأدبي حاضرًا في مساره، حتى حين تقلّد المسؤوليات الإدارية والسياسية. فلم يبتلع الموظف المثقف، ولم تحجب أعباء الدولة الأديب؛ بل بقيت العربية عنده أداة تفكير وتواصل، ووعاءً للذاكرة، ووسيلةً لعرض الرأي وصوغ الموقف.
وإذا كان بعض أهل السياسة يستعيرون من اللغة زينتها، فقد كانت اللغة عند فاضل جزءًا من تكوينه، ووجهًا من وجوه عقله، وأداةً لفهم الواقع والتعبير عنه. ومن هنا كانت فصاحته أعمق من مجرد حسن أداء؛ لأنها اتصلت بسعة المعرفة، ورجاحة الحكم، والقدرة على اختيار العبارة التي تبلغ المعنى من أقرب طريق.
خامسًا: شهادات الرفاق ومرايا الشخصية
لا تستبين معادن الرجال من ألقابهم وحدها، ولا تكفي المناصب لتفسير أثرهم فيمن عاشروهم؛ فثمة خصال لا تظهر في السيرة الرسمية، وإنما تكشف عنها المجالس الخاصة، وأوقات الشدة، ومواقف الوفاء، وطريقة معاملة الناس حين لا يكون وراء المعاملة غرض أو منفعة.
ومن الشهادات ذات الدلالة ما رواه محمذن ولد باگه، الذي تقاسم مع فاضل تجربة السجن مدة تقارب عامًا. فقد وصفه بالشجاعة والحكمة والثقافة والتواضع، وأشار إلى أن الركن الذي يجلس فيه كان يتحول إلى ملتقى لمن حوله.
وتحمل هذه الصورة أكثر من دلالة؛ فالسجن، بما يفرضه من ضيق المكان وثقل التجربة، يكشف عن قدرة بعض الناس على بث الأنس في الوحشة، والمعنى في المحنة، والطمأنينة في الشدة. وإذا كان العلم يظهر في مقام الدرس، فإن أثره الإنساني يظهر حين يشتد البلاء، وتضيق الخيارات، ويحتاج المحيطون بالمرء إلى من يرفع عنهم بعض ثقل الأيام.
ولم يكن اجتماع الناس حول فاضل، وفق هذه الشهادة، ناشئًا عن منصب أو سلطة؛ إذ لا سلطان للسجين على محيطه إلا بما يملكه من عقل وخلق وحضور. ومن هنا تكتسب الرواية قيمتها في رسم صورة رجل كانت ثقافته موردًا للأنس والحوار، لا وسيلة للاستعلاء على الآخرين.
وتكشف شهادة الدكتور السيد ولد أبّاه عن جانب آخر من شخصيته. فقد عرفه منذ ثمانينيات القرن الماضي، وتعززت الصلة بينهما في القاهرة حين كان فاضل سفيرًا هناك. ويذكر أنه كان يزوره ليلًا خلال مدة من إقامته، فيجده رحب الصدر، سخي المجلس، واسع المعرفة، بعيدًا عن التباهي بما لديه من علم أو تجربة.
وتتجلى في هذه الشهادة خصلة لا تقل أهمية عن التفوق الفكري: أن المعرفة حين تنضج تُورث صاحبها سعةً في النفس، لا ضيقًا بالناس؛ وتزيده قدرة على الإصغاء، لا رغبة في احتكار الحديث. فليس كل واسع الاطلاع حسن المعشر، ولا كل صاحب حجة متواضعًا في مجلسه، أما اجتماع العلم وأدب المجالسة فيمنح الشخصية جاذبية تتجاوز حدود الاختصاص.
ويروي السيد ولد أبّاه أن فاضلًا حدّثه عن ليلته الأولى في القاهرة، وما استولى عليه من الدهشة أمام سعة المدينة وجمالها. وتستمد الحكاية معناها من صورة القادم الذي يقف أمام مدينة كبيرة فيستشعر رهبتها، ثم يمضي في اكتساب المعرفة والخبرة حتى يغدو جزءًا من عالمها الثقافي والدبلوماسي. وهي تذكير بأن كبار العقول لا يولدون مكتملين، وأن التجربة، مهما بلغ صاحبها، تظل قادرة على إدهاشه وتعليمه.
ومن المواقف التي يذكرها السيد ولد أبّاه أن فاضلًا كتب ردًّا مهذبًا ومحكمًا على مقال تناول موريتانيا بانتقاص، فحظي الرد بالنشر كاملًا في صحيفة الأهرام، على خلاف ما جرت به العادة في مثل تلك المراسلات. وتكشف الواقعة، إن دلت على شيء، عن قدرة على تسخير اللغة لخدمة الحجة، والدفاع عن الاعتبار الوطني بغير إسفاف، ومواجهة الانتقاص من غير انحدار إلى المهاترة.
فالدفاع عن الوطن ليس صخبًا يعلو بقدر ما هو حجة تستقيم، وبيان يحسن عرض الوقائع، وخطاب يعرف كيف يرد على الخصم من غير أن يفقد احترامه لنفسه. وتلك من خصال الدبلوماسي الذي يدرك أن الكلمة قد تكون أبلغ من الاستعراض، وأن رصانة الحجة تحفظ للبلد مكانته في المحافل الثقافية والإعلامية.
أما محمد المختار ولد محمد فال، فيستعيد في شهادته «فاضل ولد الداه كما عرفته» مراحل من صلته به، بدأت في بغداد حين كان فاضل سفيرًا، ثم تجددت في سياق جائزة شنقيط، واستمرت في لقاءات خاصة بنواكشوط. وتقدم شهادته صورة رجل يجمع بين الوطنية والثقافة، وبين الحزم والمرونة، ويملك قدرة على الانتقال من الشأن العام إلى مسائل الأدب والفن والمعرفة من غير تكلف.
ويستحضر ولد محمد فال موقفًا لجأ فيه إلى فاضل طلبًا للمساعدة في شأن تأشيرة عمرة، فتدخل لديه لدى السفير السعودي في العراق، وأعانه على تيسير الأمر. وقد تبدو الواقعة صغيرة في ميزان المناصب والإنجازات العامة، لكنها ذات دلالة في ميزان الخلق؛ إذ تكشف عن استعداد لتسخير الموقع لخدمة الناس في حدود ما تسمح به المسؤولية، وعن اهتمام لا يتوقف عند الملفات الكبرى، بل يلتفت إلى حاجات الأفراد ومشكلاتهم.
كما يذكر مجالسه التي كانت تتسع للأحاديث غير الرسمية، وللحديث عن الفنون والعلوم، ولرواية تجارب العمل السياسي والثقافي. وتظهر في هذه الصورة شخصية لا تحبسها البروتوكولات داخل هيئة المسؤول، ولا تجعل من المنصب حجابًا بينها وبين الناس؛ بل تظل قادرة على الأنس، وتبادل المعرفة، واستحضار التجارب بروح تجمع بين الجدية والبساطة.
ويستعيد محمدن ولد الشدو، في شهاداته ومراسلاته، جوانب من الصداقة التي جمعته بفاضل، ومن ذاكرة جيل تداخلت فيه التجربة الوطنية والثقافية والسياسية. وتبرز في هذه الشهادات صورة الرجل الذي حمل هم الكلمة في زمن صعب، واحتفظ بصلته بالرفاق وبالأسئلة التي شغلت جيله، حتى حين أخذ المرض من قدرته على الحركة واللقاء.
ومن أبلغ ما تحفظه مراسلاتهما المتأخرة رد فاضل على دعاء ولد الشدو له بالشفاء، إذ كتب في 18 نوفمبر 2022 أنه يحمد الله على علته، ولا يشكوها إلا إليه، وأنها ابتلاء مزمن يعالجه منذ سنوات، مستشهدًا ببيت للمرحوم همام الشيب: «والأسقام اتحماو اعليَّ».
في هذه العبارة اقتصاد في القول، ووضوح في مواجهة الحال، وإيمان لا يحتاج إلى ضجيج. فلا شكوى متكلفة، ولا ادعاء لبطولة، وإنما تسليم بما وقع، وصبر على ما لا يملك الإنسان دفعه. وهي صورة تليق برجل خبر تقلّب الأحوال، وعرف أن للإنسان من تدبير أمره حدودًا، وأن بعض المحن لا يُجدي معها إلا الصبر وحسن التوكل.
وتشير شهادة ولد الشدو كذلك إلى أن فاضلًا ظل يقرأ ما يرسله إليه من مواد، حتى حين لم تعد صحته تسمح له بمواصلة التواصل على النحو السابق. ولا يصح أن يُحمّل صمته في تلك المرحلة تأويلًا لا تثبته الوقائع؛ فحسب هذه المراسلات أنها تحفظ أثر صلة امتدت عبر السنين، وظلت قائمة على الاحترام والاهتمام بالشأن العام.
وتتضافر هذه الشهادات، على اختلاف أصحابها ومناسباتها، في رسم ملامح شخصية تجمع بين قوة الحضور والتواضع، وبين صرامة الموقف ولين المعشر، وبين الاعتداد بالمعرفة والبعد عن الاستعراض. وهي صورة تتقدم بالشواهد لا بالمبالغات، وتزداد رسوخًا كلما أمكن ردّ خصالها إلى مواقف محددة، بدل الاكتفاء بإطلاق الأوصاف العامة.
سادسًا: الدبلوماسية وفن تمثيل الوطن
لم تكن الدبلوماسية عند محمد فاضل ولد الداه مجرد أداء للمراسم، أو تمثيل رسمي للدولة في المحافل الخارجية؛ بل كانت امتدادًا لثقافته وقدرته على فهم الناس، واستيعاب اختلاف البيئات، وصوغ خطاب يحفظ للبلد مكانته، ويعرض مصالحه بوضوح واتزان.
وقد مثّل موريتانيا في عدد من العواصم، منها بغداد ودمشق وصنعاء والقاهرة والرباط، واضطلع خلال تلك المهام بأدوار تتجاوز حدود الحضور البروتوكولي. فالدبلوماسي الذي يحمل ثقافة واسعة يستطيع أن يرى في السفارة أكثر من مقر إداري، وفي اللقاء الرسمي أكثر من تبادل للمجاملات، وفي العلاقات بين البلدان مجالًا لتقريب المصالح وبناء جسور المعرفة والتفاهم.
وفي القاهرة، بحسب شهادة الدكتور محمد الحسن ولد محمد المصطفى، عمل فاضل على إعادة وصل موريتانيا بالأوساط الثقافية والإعلامية المصرية، وشجّع الكتابة عن البلاد، وسعى إلى التعريف بأدبها ومثقفيها، في مرحلة كانت فيها الصلات الثقافية بحاجة إلى تجديد وتفعيل.
وهذا الجانب من العمل الدبلوماسي جدير بالتنويه؛ لأن صورة الوطن في الخارج لا تصنعها السياسة وحدها، وإنما تسهم في تكوينها الثقافة والأدب والإعلام، وما يصل إلى الآخرين من معرفة بتاريخ البلد ومجتمعه وإبداع أبنائه. وقد يكون مقال جيد أو لقاء ثقافي موفق أبقى أثرًا من زيارة رسمية عابرة، متى أحسن تقديم صورة البلاد، وفتح بابًا للتعارف والتعاون.
ويذكر ولد محمد المصطفى أن فاضلًا جعل بيته مفتوحًا أمام الزائرين من الطلاب والمثقفين الموريتانيين، من غير تعقيد في الاستقبال أو تكلف فيه، رغبةً في تخفيف وحشة الغربة عنهم. وهذه الخصلة، على بساطتها، تكشف عن فهم إنساني للوظيفة الدبلوماسية؛ إذ لا يقتصر واجب الممثل الرسمي على مخاطبة الدولة المضيفة، بل يمتد إلى صيانة صلة أبناء وطنه به، وتخفيف شعورهم بالبعد، وإشعارهم بأن لهم في بلد الاغتراب سندًا وملاذًا.
ويستعيد ولد محمد المصطفى كذلك لقاءاته بفاضل، وما كانت تفيض به من حديث الثقافة والأدب، وما امتازت به كلماته في المناسبات الثقافية من بيان عربي رصين. وفي ذلك شاهد على أن الرجل لم يترك ثقافته عند عتبة السفارة، بل اصطحبها معه إلى مجال العمل، وجعلها وسيلة للتعريف ببلده، وبناء جسور التواصل، وصيانة الاعتبار الوطني.
وقد حظيت مسيرته الدبلوماسية بتكريم من الملك محمد السادس، وهو ما يندرج في سجل التقدير الذي ناله عن مساره في خدمة الدولة وتمثيلها. غير أن أبلغ ما يقال في الدبلوماسي ليس عدد الأوسمة التي نالها، بل مقدار ما أضافه إلى صورة وطنه، وما تركه من صلات نافعة، وما أظهره من قدرة على الجمع بين الاعتزاز الوطني وحسن التعامل مع الآخرين.
سابعًا: حنكة الدولة وصيانة المصالح الوطنية
من المواطن التي يظهر فيها تداخل الفكر والسياسة في سيرة محمد فاضل ولد الداه دوره في ملف منظمة استثمار نهر السنغال، وهي المنظمة التي تمثل إطارًا للتعاون الإقليمي في استثمار الموارد المائية والطاقة، وتنسيق المصالح المشتركة بين دول الحوض.
وتشير الروايات المتصلة بهذا الملف إلى إسهامه في بلورة موقف موريتاني أكثر فاعلية في برنامج الكهرباء المرتبط بمشروع مانانتالي، وفي الدفاع عن حق البلاد في الانتفاع من الطاقة التي يتيحها المشروع. وتكتسب المسألة أهميتها من أن الموارد المشتركة لا تتحول إلى مصالح وطنية بمجرد وجودها؛ بل لا بد من فهم الاتفاقيات، وإحكام التفاوض، وتقدير موازين القوى، ومتابعة التنفيذ، حتى لا يبقى الحق حبرًا على ورق.
وفي هذا السياق تُروى واقعة اجتماع وزراء المياه في المنظمة في فبراير 1985، بعد تولي معاوية ولد الطايع السلطة، وما دار فيه من نقاش حول موقف موريتانيا من الطاقة المنتجة عن النهر. وتفيد الرواية بأن فاضلًا دفع باتجاه مراجعة الموقف الذي لا يطالب بنصيب موريتاني من الكهرباء، مؤكدًا أن المصلحة الوطنية تقتضي استثمار الموارد المشتركة على وجه منصف.
وتُروى في هذا الباب خلاصة مفادها أن ما تحقق لاحقًا من استفادة مدن الداخل من الكهرباء ارتبط، في جانب منه، بتلك المراجعة للموقف التفاوضي. غير أن تحديد نصيب كل مسؤول أو مؤسسة في هذا المسار التاريخي يقتضي الرجوع إلى الوثائق والاتفاقيات وشهادات المشاركين؛ فالإنصاف يوجب إبراز دور فاضل حيث تثبته الشواهد، من غير اختزال عمل إقليمي معقد في جهد فرد واحد.
وهنا تتجلى قيمة رجل القانون حين يتجاوز حدود تفسير النصوص إلى استثمارها في حماية المصالح العامة. فالقانون ليس ألفاظًا محفوظة، وإنما هو حقوق والتزامات وموازين، ولا يكتمل أثر المعرفة القانونية إلا حين تتحول إلى موقف تفاوضي، ثم إلى مكسب عملي يعود نفعه على الناس.
وقد تقلّد فاضل مسؤوليات وزارية واستشارية، وانتقل بين ميادين القانون والإعلام والسياسة والدبلوماسية من غير أن تنقطع صلته بالمعرفة. وتلك من خصال رجل الدولة الذي يجمع بين فهم النص وروح الواقع، وبين دقة الإجراء وبعد النظر، وبين مقتضيات الإدارة وأفق المصلحة الوطنية.
فليس كل من أحسن القول أحسن التدبير، ولا كل من خبر الإدارة امتلك أفق الثقافة، كما أن سعة المعرفة وحدها لا تكفل حسن القرار. إنما تنشأ الكفاءة المركبة حين تتساند هذه الخصال، ويُحسن صاحبها الانتقال من التشخيص إلى الاختيار، ومن الاختيار إلى التنفيذ، ومن الإنجاز إلى تقدير أثره وعواقبه.
ثامنًا: جائزة شنقيط وخدمة المعرفة
كان توليه الأمانة العامة لجائزة شنقيط فصلًا دالًّا في مساره، إذ وجد في هذه المؤسسة مجالًا يلتقي فيه الأدب بالعلم، والمعرفة بالتقدير، والجهد الفردي برسالة وطنية أوسع. وقد شهد من عرفوا عمله فيها أنه أولاها عناية خاصة، وسعى إلى إبراز قيمة النتاج الفائز، وإلى جعل لحظة التكريم مناسبة للتعريف بالعمل الفكري، لا مجرد إعلان لأسماء أصحابه.
ويذكر الدكتور محمد الحسن ولد محمد المصطفى أن كلمات فاضل في حفلات الجائزة كانت تفيض ببلاغة عربية رصينة، وتتحول إلى لوحات موجزة في التعريف بالكتب وأصحابها. كما يستعيد محمد المختار ولد محمد فال أثر تقديمه للأعمال الفائزة، إذ كانت مقدماته وإضاءاته تستوقف الحاضرين، وتمنح المناسبة بعدًا ثقافيًّا يتجاوز مراسم الاحتفال.
ولم يكن هذا الأداء مجرد استعراض للقدرة البيانية؛ إذ إن تقديم كتاب أو بحث تقديمًا جيدًا يقتضي فهم موضوعه، واستيعاب قيمته، والتمييز بين إضافته الحقيقية وما قد يحيط به من مبالغات. ومن ثم فإن جودة التقديم تكشف، في جانب منها، عن قراءة واعية، وعن قدرة على اختزال العمل من غير إخلال، وإبراز محاوره من غير استطراد.
وتتصل هذه الخصلة بتصور أوسع لوظيفة الثقافة في المجتمع. فالتكريم ليس مكافأة عابرة، ولا مناسبة لتبادل عبارات الثناء، وإنما هو إقرار بمكانة العقل، وحفز للبحث والإبداع، وتثبيت لقيمة العمل المعرفي في الوعي العام. والمؤسسة الثقافية إنما تؤدي رسالتها حين تجعل العلم موضع تقدير، والبحث سبيلًا إلى الاعتبار، والإبداع جزءًا من رصيد الوطن.
وقد ظل فاضل قريبًا من الأدباء والباحثين، يتابع شؤونهم، ويحرص على التواصل معهم، ويمنحهم من وقته واهتمامه ما يليق بما يحملونه من أعباء. وفي ذلك يتجلى وجه آخر من وجوه المثقف المسؤول: أنه لا يرى في المؤسسة حاجزًا بينه وبين أهل المعرفة، بل وسيلة لخدمتهم، وإبراز منجزهم، وفتح المجال أمام ما يضيفونه إلى الحياة الفكرية.
تاسعًا: الوفاء وحرمة الاختلاف
من أخصّ الخصال التي تتكرر في شهادات معاصري محمد فاضل ولد الداه وفاؤه لأصدقائه، وصيانته لحرمة العلاقات الإنسانية من أن تبتلعها الخصومات السياسية. فالاختلاف في الرأي لا يستلزم محو الود، والتباين في الموقف لا يبيح التنكر للعهد، كما أن الخصومة السياسية، مهما اشتدت، لا ينبغي أن تنقلب إلى خصومة مع كرامة الإنسان وحقه في الاحترام.
وقد ورد في روايات منشورة عن صلته بمحمد المصطفى ولد بدر الدين أنه ظل محافظًا على هذه الصداقة، موفيًا بحقها، على الرغم مما كان بين الرجلين من اختلاف سياسي. وهذه خصلة لا تستمد قيمتها من إلغاء الخلاف أو التهوين من أسبابه، بل من القدرة على الفصل بين ما يقتضيه الموقف السياسي وما تفرضه المروءة الإنسانية.
فالرجال لا يُختبرون حين تتوافق المصالح وتلتقي الآراء، وإنما يظهر معدنهم حين تتباعد المواقف، وتختلف التقديرات، ويصبح الوفاء مكلفًا. عندئذ يتبين من يجعل الخلاف ذريعة لإسقاط الحقوق، ومن يحفظ للصحبة حرمتها، وللعهد مكانته، وللإنسان قدره، ولو خالفه في الرأي أو الطريق.
وإذا كانت السياسة مجالًا لتدافع المصالح والأفكار، فإن المجتمع لا يستطيع الاستمرار في تماسكه إذا تحولت كل مغايرة إلى قطيعة، وكل خلاف إلى عداوة، وكل اختلاف في التقدير إلى اتهام في النيات. ومن هنا فإن صيانة الود مع بقاء الخلاف ليست ضعفًا في الموقف، بل دليل على رسوخ الشخصية، واستقلال الأخلاق عن تقلبات الاصطفاف.
كما تتحدث الشهادات عن صداقته بصالح ولد مولاي أحمد، وعن استمرار تقديره له حتى بعد مغادرته جائزة شنقيط. ويكشف هذا المعنى عن جانب آخر من الوفاء: ألا تكون الصلات الإنسانية رهينة للمواقع، وألا تنتهي العلاقة بانتهاء المهمة التي جمعت أصحابها، وألا يتحول المنصب إلى المعيار الوحيد لتقدير الأشخاص.
وقد عرفت الحياة العامة كثيرًا ممن تتبدل صلاتهم بتبدل مواقع الآخرين، فإذا ارتفع المرء اقتربوا، وإذا انحسر سلطانه انصرفوا. أما الوفاء الحق فيظهر حين يبقى التقدير قائمًا بعد زوال المنفعة، ويستمر التواصل حين تنقضي الحاجة، ويظل للإنسان من منزلته ما لا تمنحه إياه الوظيفة ولا تسلبه إياه.
وهكذا لا تقتصر قيمة فاضل على ما أنجز في القانون والسياسة والدبلوماسية، بل تمتد إلى ما تحفظه شهادات رفاقه من أدب الاختلاف وصيانة العهد. فذلك وجه من وجوه النبل لا تقيسه سجلات الوظائف، وإنما تحفظه ذاكرة الناس، وتتناقله الأجيال حين تبحث عن أمثلة على إمكان اجتماع الحزم والمودة، والموقف والإنصاف.
عاشرًا: المرض والفقد وامتحان الإنسان
في أواخر عمره، أثقل المرض كاهل محمد فاضل ولد الداه، وأخذ من قدرته على الحركة واللقاء والتواصل، لكنه لم يمحُ أثر الصلات التي نسجها عبر السنين، ولا اهتمامه بما يجري حوله. وتدل مراسلاته المتأخرة مع محمدن ولد الشدو على أنه ظل حاضر الذهن، حريصًا على قراءة ما يبعث إليه، وإن حالت ظروفه الصحية دون أن يجيب عن كل ما يصله.
وقد أفصح ردّه المؤرخ في 18 نوفمبر 2022 عن طريقة في مواجهة المرض تقوم على الصبر والتسليم، بعيدًا عن الشكوى المتكلفة أو استجلاب التعاطف. وليس من الإنصاف أن تُحمّل آلام الإنسان أكثر مما تحتمل، أو أن تُتخذ المحنة مادة للتهويل؛ وإنما يكفي أن تُذكر في موضعها، بما يحفظ حرمتها ويكشف ما قد يظهر فيها من ثبات النفس وحسن الاحتمال.
وكان فقد ابنه صلاح الدين من المحن التي تركت أثرًا بالغًا في حياته. وقد أشار من رثوه وواسوه إلى ما أظهره من صبر واحتساب، وإلى أن حزنه لم يخرجه عن سمت الوقار. وليس الحزن مما يُقاس بظاهر القول أو مقدار ما يُبديه الإنسان للناس؛ فقد يكون أعمق الأحزان أهدأها مظهرًا، وأشد المصائب وقعًا أبعدها عن الاستعراض.
إن استحضار هذه المحنة لا يراد به اقتحام خصوصية الفقد، بل الإشارة إلى أن صاحب المناصب والثقافة يظل، قبل ذلك كله، إنسانًا تصيبه أقدار الحياة في أعز ما يملك. فلا المعرفة تعصم من الألم، ولا المكانة ترفع عن صاحبها أثقال الفقد، وإنما تظهر قيمة الإنسان في الكيفية التي يحمل بها محنته، ويحفظ بها كرامته، ويواصل بها صلته بالحياة والناس.
وتحفظ شهادات محمد المختار ولد محمد فال ومحمدن ولد الشدو أثر التواصل الذي ظل قائمًا عبر الكتابة، وما تضمنته المراسلات من دعاء ومواساة واهتمام بالشأن الثقافي. وفي ذلك ما يدل على أن الصلات العميقة لا تنقضي بالضرورة حين تقل اللقاءات، وأن للكلمة المكتوبة قدرة على حفظ الود حين تعجز الظروف عن إبقاء التواصل على صورته الأولى.
ولم يكن رحيل فاضل فقدان مسؤول سابق فحسب، بل غياب رجل اجتمعت فيه روافد متعددة: القانون والأدب، والفكر والسياسة، والدبلوماسية والعمل الثقافي، مع خصال إنسانية جعلت له مكانة في ذاكرة رفاقه ومعاصريه.
وإذا كانت المناصب تُحصى، فإن الأثر الإنساني أوسع من أن تحيط به السجلات؛ إذ يبقى في مجلس أنس، وفي موقف نجدة، وفي كلمة صادقة، وفي صداقة لم تفسدها الخصومة، وفي ذكرى يحتفظ بها رفيق بعد أن تمضي السنون. ومن هذه الآثار تتكون السيرة الحية، وهي أبقى من الترجمة الإدارية وأقدر على نقل معنى الإنسان إلى الأجيال.
خاتمة: حين تتآلف المعرفة والدولة والمروءة
إن قيمة محمد فاضل ولد الداه لا تُقاس بعدد المناصب التي تقلّدها، ولا بطول السنوات التي قضاها في الخدمة العامة، بل بما جمعه من خصال متآزرة: عقل قانوني يعرف دقة النصوص، وذهن سياسي يدرك موازين الواقع، وذائقة أدبية تستبطن أسرار العربية، وخبرة دبلوماسية تحسن تمثيل الوطن، ونفس إنسانية تحفظ للصحبة حقها وللاختلاف أدبه.
لقد كان من أولئك الرجال الذين لا يستنفدهم وصف واحد، ولا تحيط بهم وظيفة واحدة؛ كلما بدا جانب من سيرتهم انفتح وراءه جانب آخر، وكلما أضيفت شهادة من معاصريهم ازدادت الصورة غنى ووضوحًا. وهذه سمة من سمات الشخصيات المركبة التي تتكون في ملتقى المعارف والتجارب، وتجمع بين أصالة التكوين ومطالب العصر، وبين سعة الفكر ومقتضيات العمل.
وليس الإنصاف أن تُرفع سيرته فوق النقد، أو أن تُنسب إليه مآثر لا تثبتها الشواهد، بل أن يُعطى قدره بميزان العدل، وأن تُجمع شهادات الذين عرفوه، وأن تُقرأ أعماله في سياقاتها، وأن يُفصل بين ما ثبت من أثره وما يحتاج إلى مزيد من التوثيق. فالمبالغة لا ترفع الرجال، كما أن الخصومة لا تمحو آثارهم؛ وإنما يرفعهم ما صح من أعمالهم، وما شهد به المنصفون من معاصريهم، وما بقي من أثرهم في حياة الناس ومؤسسات الوطن.
وإن من حق الذاكرة الوطنية أن تُنقذ سير أمثال هؤلاء من التبعثر، وأن تُجمع آثارهم المكتوبة، وتُوثق مواقفهم، وتُمحص الروايات المتصلة بهم، حتى لا يضيع من تاريخنا ما يستحق الحفظ، ولا تستأثر الأحكام العابرة بمكان الوقائع والشهادات. فالسيرة التي تُوثق بعناية لا تحفظ صاحبها وحده، بل تحفظ للأجيال صورة عصرها، وأسئلة رجالها، وطرائقهم في التفكير والعمل.
ويبقى محمد فاضل ولد الداه، بما اجتمع له من موسوعية المعرفة، وريادة القصيدة الحديثة، وحنكة الدولة، ونبل الإنسان، عَلَمًا من أعلام جيله، وشخصيةً تتجاوز حدود المناصب إلى رحابة الأثر الثقافي والوطني والإنساني. وتلك منزلة لا يصنعها لقب، ولا تستنفدها ولاية، وإنما يرسخها ما يتركه المرء من علم نافع، وموقف معتبر، وذكر حسن.
رحم الله محمد فاضل ولد الداه، وأبقى من سيرته ما ينفع الذاكرة الوطنية، ويستحق أن تتناقله الأجيال بإنصاف واعتبار.



