التيار (بـامـاكو) - شكل قرار الاتحاد الأوروبي، رفع كل من بوركينا فاسو ومالي من قائمة الدول عالية المخاطر في ما يتعلق بتدفقات الأموال غير المشروعة، تطورا لافتا في مسار العلاقة بين هذين البلدين والمؤسسات المالية الدولية، كما حمل دلالات تتجاوز الإطار التقني لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، إلى أبعاد سياسية واقتصادية أوسع.
القرار، الذي اتخذته المفوضية الأوروبية في ديسمبر 2025 ويدخل حيز التنفيذ في 29 يناير 2026، استند بشكل مباشر، وفق الأوربيين، إلى تقييمات مجموعة العمل المالي (GAFI)، الجهة الدولية المرجعية في وضع معايير مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
ويأتي ذلك بعد أن نجحت ست دول إفريقية، من بينها مالي وبوركينا فاسو، في معالجة ما وصفه التقرير الأوروبي بـ«أوجه القصور الاستراتيجية» في أنظمتها الرقابية.
إدراج الدول في القوائم الرمادية أو السوداء لمجموعة العمل المالي، ثم قوائم الاتحاد الأوروبي، لا يقتصر أثره على الجوانب التنظيمية، بل ينعكس مباشرة على ثقة المستثمرين، وتكلفة المعاملات البنكية، وسهولة الوصول إلى التمويل الخارجي.
ومن هذا المنطلق، فإن خروج مالي وبوركينا فاسو من هذه القوائم يمثل تحسنا مهما في صورتهما المالية، ويخفف من القيود المشددة التي كانت تواجهها مصارفهما ومؤسساتهما الاقتصادية عند التعامل مع البنوك الأوروبية والدولية.
ويلاحظ أن البلدين كانا مدرجين على القائمة الرمادية للـGAFI بين 2021 و2023، وهي فترة اتسمت بتشديد الرقابة الدولية، ما دفع السلطات إلى تبني إصلاحات تشريعية ومؤسساتية متسارعة، شملت تعزيز الرقابة على القطاع البنكي، وتوسيع نطاق الإشراف ليشمل المهن غير المالية المنظمة، مثل المحامين والموثقين، وهي قطاعات لطالما اعتُبرت ثغرات محتملة في منظومات مكافحة غسل الأموال.
ورغم الطابع التقني للقرار، فإنه لا يمكن فصله عن السياق السياسي الإقليمي، خاصة في ظل التحولات التي تشهدها منطقة الساحل. فمالي وبوركينا فاسو، إلى جانب النيجر، خرجت من المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (الإيكواس)، وأعادت تموضعها إقليميا ودوليا.
وفي هذا الإطار، يكتسب انضمام مالي وبوركينا فاسو، في ديسمبر 2025، إلى مجموعة العمل الحكومية لمكافحة غسل الأموال في غرب إفريقيا (GIABA) بصفة أعضاء من خارج الإيكواس، دلالة خاصة، إذ يعكس رغبة هذه الدول في الحفاظ على قنوات التعاون الفني والمالي، رغم القطيعة السياسية مع المنظمة الإقليمية.
ومع ذلك، لا يمثل رفع الدول من القوائم عالية المخاطر “شهادة براءة” نهائية، فالتقارير الأوروبية والدعوات الصادرة عن الـGAFI تشدد على أن هذا التطور يعد حافزا لمواصلة الإصلاح، وليس نهاية له.
ولا تزال الحاجة قائمة لتعزيز التعاون الإقليمي، وتحسين فعالية المتابعة القضائية، وضمان استدامة الإصلاحات، خصوصا في بيئات تعاني من هشاشة أمنية واقتصادية، كما أن بقاء عدد من الدول الإفريقية، مثل أنغولا، والكاميرون، وساحل العاج، والكونغو الديمقراطية، وكينيا، على القوائم الرمادية، يبرز أن المعركة ضد التدفقات المالية غير المشروعة ما زالت طويلة، وأن التفاوت في القدرات المؤسسية داخل القارة لا يزال كبيرا.
ويرى عدد من المراقبين، أن رفع مالي وبوركينا فاسو من قائمة الاتحاد الأوروبي للدول عالية المخاطر يمثل مكسبا مهما على مستوى السمعة المالية، ويبعث برسالة إيجابية إلى الأسواق والمؤسسات الدولية. غير أن هذا المكسب يظل هشا، ومرتبطا بقدرة البلدين على تثبيت الإصلاحات، وتحويل الالتزام القانوني إلى ممارسة مؤسسية مستدامة، في بيئة إقليمية لا تزال شديدة التعقيد.



