بعد سبع سنوات من حكم الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، منها خمس سنوات في مأموريته الأولى وسنتان من مأموريته الثانية، تبدو موريتانيا أمام لحظة تستحق التوقف والتأمل، ليس بهدف تمجيد التجربة أو جلدها، وإنما لطرح سؤال بسيط ومشروع: ماذا نجح فيه نظام ولد الغزواني؟ وأين أخفق؟ وماذا بقي من الأمل في السنوات المتبقية؟
لقد دخل ولد الغزواني قصر الرئاسة سنة 2019 حاملاً وعوداً كبيرة، في مقدمتها تحسين ظروف المواطنين، ومحاربة الفساد، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وتكريس دولة القانون، وإطلاق حوار وطني شامل، وبناء مدرسة جمهورية، وإحداث نقلة نوعية في حياة المواطن.
وبعد سبع سنوات، أصبح من حق المواطن أن يسأل: أين نحن من تلك الوعود؟
فالسياسة، في نهاية المطاف، ليست خطباً ولا شعارات، وإنما هي حصيلة تقاس بالنتائج، والنتائج تقاس بما يراه المواطن في حياته اليومية.
فك شفرة المعارضة.. أبرز نجاح سياسي
لعل أبرز ما نجح فيه ولد الغزواني خلال مأموريته الأولى هو إدارة المشهد السياسي بطريقة مختلفة عن أسلافه.
فقد استطاع أن يفتح قنوات اتصال مع أطراف من المعارضة، وأن يخفف من حدة الاستقطاب السياسي، وأن يجعل العلاقة بين السلطة والمعارضة أقل توتراً مما كانت عليه في مراحل سابقة.
وقد تمكن بذلك من فك ما كان يسمى بـ"شفرة المعارضة" في موريتانيا، أو على الأقل إعادة تشكيلها سياسياً.
لكن هذا النجاح يطرح سؤالاً آخر: هل نجح النظام في استيعاب المعارضة ضمن مشروع وطني جامع، أم أنه نجح فقط في تفكيكها وإضعاف قدرتها على المواجهة؟
فهناك من يرى أن المعارضة الموريتانية كانت، في مراحل كثيرة، معارضة أشخاص أكثر منها معارضة مؤسسات، وأن الأنظمة المتعاقبة ساهمت في إنتاجها من خلال الإقصاء والتهميش.
غير أن المعارضة، في المقابل، لا يمكن اختزال دورها في الحصول على المناصب والمشاركة في السلطة، لأن جوهر وجودها هو مراقبة الحكم ومساءلته والدفاع عن مصالح المواطنين.
وهنا يبقى السؤال مفتوحاً: هل استطاع ولد الغزواني أن يبني شراكة سياسية حقيقية، أم أنه اكتفى بإدارة المعارضة؟
ملف العشرية.. لحظة فارقة أم معركة لم تكتمل؟
لا يمكن الحديث عن عهد ولد الغزواني دون التوقف عند ملف العشرية ومحاكمة الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز.
لقد شكل فتح هذا الملف حدثاً سياسياً وقضائياً غير مسبوق، وأرسل رسالة مفادها أن المسؤولية السياسية لا ينبغي أن تكون حصانة دائمة أمام القانون.
لكن محاربة الفساد لا تقاس فقط بمحاكمة مسؤولين سابقين، وإنما بقدرة النظام على بناء منظومة تمنع الفساد في الحاضر والمستقبل.
وهنا تبدو الصورة أكثر تعقيداً.
فإذا كان النظام قد نجح في فتح ملف العشرية، فإن السؤال الذي لا يزال مطروحاً هو: هل نجح في القضاء على الفساد أم أنه نقل المعركة من مرحلة إلى أخرى؟
فالمواطن لا يريد فقط أن يرى مسؤولاً سابقاً أمام القضاء، بل يريد أن يرى المال العام مصاناً، والإدارة نزيهة، والصفقات شفافة، والوظائف تمنح على أساس الكفاءة والاستحقاق.
الفساد.. المعركة التي لم تحسم
ربما يكون ملف الفساد هو أكبر اختبار فشل النظام حتى الآن في تقديم إجابة حاسمة بشأنه.
فبعد سبع سنوات من الحكم، لا يزال الفساد حاضراً في النقاش العام، ولا تزال المحسوبية والزبونية والواسطة من أكثر الكلمات تداولاً في الحياة اليومية للمواطن.
المشكلة، في رأيي، ليست في غياب القوانين، وإنما في غياب التطبيق الصارم والعادل لها.
فالفساد لا يمكن القضاء عليه إذا بقيت الإدارة نفسها تعمل بالعقلية القديمة، وإذا ظلت التعيينات والترقيات خاضعة في نظر المواطنين للولاءات السياسية والاجتماعية.
إن موريتانيا بحاجة إلى ثورة حقيقية في الإدارة، لا إلى تغيير بعض المسؤولين فقط.
العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص.. الجرح المفتوح
من أكبر الملفات التي لم يستطع النظام حسمها ملف العدالة الاجتماعية.
فالمواطن الموريتاني ما زال يسأل عن العدالة في التعيين، والعدالة في توزيع الثروة، والعدالة في الوصول إلى الوظائف، والعدالة في الحصول على الخدمات.
ولا يمكن بناء دولة مستقرة إذا شعر جزء من المواطنين بأنه خارج دائرة الفرص، بينما تظل المناصب والامتيازات محصورة في دائرة ضيقة.
إن الدولة العادلة ليست تلك التي تمنح الامتيازات لمن تعرفهم، وإنما تلك التي تمنح الفرصة لمن يستحقها.
مشروع الإقلاع.. أين ذهبت الوعود؟
عندما أطلق الرئيس مشروع الإقلاع الاقتصادي والاجتماعي بعد جائحة كورونا، كان المواطن ينتظر أن يتحول المشروع إلى نقطة تحول حقيقية في حياته.
لكن السنوات مرت، وبقي السؤال قائماً حول النتائج الفعلية التي تحققت على الأرض.
هل تحسن مستوى معيشة المواطن؟
هل تراجعت البطالة؟
هل تحسن الاقتصاد؟
هل استفادت الفئات الهشة كما كان مأمولاً؟
هذه أسئلة لا يمكن الإجابة عنها بالبيانات الرسمية وحدها، وإنما يجب أن تكون الإجابة في الشارع، وفي الأسواق، وفي القرى والأحياء الفقيرة.
الحوار الوطني.. وعد طال انتظاره
منذ بداية المأمورية الأولى، ظل الحوار الوطني حاضراً في خطاب السلطة.
حوار شامل، مفتوح، لا خطوط حمراء فيه، يجمع الجميع حول القضايا الكبرى.
لكن هذا الحوار ظل، إلى اليوم، مؤجلاً بين المبادرات والمشاورات واللجان.
والحقيقة أن موريتانيا تحتاج إلى حوار حقيقي، لا إلى حوار لتجميل المشهد السياسي.
حوار حول الوحدة الوطنية، والعدالة الاجتماعية، والإرث الإنساني، والاقتصاد، والتعليم، والإدارة، والانتقال الديمقراطي.
أما الحوار الذي لا يملك القدرة على تغيير الواقع، فلن يكون أكثر من مناسبة سياسية عابرة.
المواطن.. الحلقة الأضعف
في النهاية، يبقى المواطن هو الحكم الحقيقي على أي تجربة سياسية.
فالمواطن لا يهتم كثيراً بعدد المشاريع التي أعلنتها الحكومة، بقدر اهتمامه بسعر المواد الغذائية، وتوفر الماء والكهرباء، وجودة التعليم، وتكاليف العلاج، وفرص العمل.
وهنا تبدو الفجوة بين الخطاب والواقع واضحة.
فقد وعد الرئيس في حملته الانتخابية سنة 2019 بأن لا يترك أحداً على قارعة الطريق، لكن كثيراً من المواطنين لا يزالون يشعرون بأنهم على هامش الحياة الاقتصادية والاجتماعية.
وفي المقابل، يرى المواطن مظاهر البذخ والامتيازات التي تحيط ببعض المسؤولين، وهو ما يزيد من شعوره بالغبن وعدم المساواة.
إن العدالة لا تكون فقط في توزيع المال، وإنما في توزيع الفرص أيضاً.
المدرسة الجمهورية.. فكرة عظيمة وتنفيذ يحتاج إلى مراجعة
لا يمكن إنكار أن مشروع المدرسة الجمهورية يحمل فكرة وطنية مهمة، تتمثل في بناء مدرسة تجمع أبناء الموريتانيين وتحد من الفوارق بينهم.
لكن نجاح المشروع يتطلب أكثر من الشعارات.
فلا يمكن بناء مدرسة جمهورية من دون مدرس مؤهل، ومناهج قوية، وبنية تحتية مناسبة، وعدالة في توزيع المؤسسات التعليمية.
كما أن نجاحها يحتاج إلى توافق وطني واسع، حتى لا تتحول إلى مشروع مرتبط بحكومة أو رئيس، بل إلى مشروع دولة يستمر مهما تغيرت الأنظمة.
الأمن.. النجاح الذي يستحق الإشادة
إذا كان هناك ملف يمكن تسجيل نجاح واضح للنظام فيه، فهو الملف الأمني.
ففي منطقة الساحل التي تحولت إلى واحدة من أكثر مناطق العالم اضطراباً، استطاعت موريتانيا الحفاظ على أمنها واستقرارها، وتحصين حدودها، وتجنب الانزلاق إلى الفوضى التي ضربت دولاً مجاورة.
كما تمكنت نواكشوط من إدارة علاقاتها مع دول المنطقة بحذر، خصوصاً في ظل التحولات التي شهدتها مالي ومنطقة الساحل.
وهذا النجاح لا ينبغي التقليل من أهميته، لأن الأمن والاستقرار هما الأساس الذي يمكن أن تبنى عليه التنمية.
الحصيلة.. لا نجاح مطلق ولا فشل كامل
بعد سبع سنوات من حكم ولد الغزواني، سيكون من الظلم القول إن التجربة كانت فاشلة بالكامل، كما سيكون من المبالغة القول إنها حققت كل ما وعدت به.
لقد نجح النظام في تهدئة المشهد السياسي، والحفاظ على الاستقرار الأمني، وإدارة علاقات متوازنة مع محيطه الإقليمي، وفتح ملف العشرية والفساد سياسياً وقضائياً.
لكنه أخفق، أو على الأقل لم يحقق النتائج المنتظرة، في إحداث تحول جذري في الإدارة، والقضاء على الفساد، وتحقيق العدالة في توزيع الفرص، وتحسين ظروف المواطن، وإنجاز حوار وطني شامل، وإغلاق الفجوة بين الأغنياء والفقراء.
ويبقى السؤال الأهم: ماذا سيفعل ولد الغزواني في السنوات المتبقية؟
هل سيواصل إدارة الوضع القائم؟
أم سيقدم على إصلاحات عميقة تعيد الثقة إلى المواطن؟
وهل ستكون السنوات القادمة سنوات تصحيح للمسار، أم مجرد امتداد لما سبق؟
الأمل الأخير
إن السنوات المتبقية من مأمورية ولد الغزواني تمثل فرصة ثمينة، وربما الفرصة الأخيرة، لتحويل ما تبقى من الوعود إلى إنجازات ملموسة.
فموريتانيا لا تحتاج اليوم إلى مزيد من الخطابات، وإنما تحتاج إلى عدالة يشعر بها المواطن، وإدارة تحكمها الكفاءة، ومؤسسات تحمي المال العام، ومدرسة تصنع المستقبل، واقتصاد يخلق فرص العمل، ودولة لا يشعر فيها أي مواطن بأنه أقل من غيره.
وفي النهاية، سيغادر ولد الغزواني السلطة، كما غادرها من سبقوه، لكن ما سيبقى هو السؤال الذي لا يستطيع أي خطاب سياسي أن يلغيه:
هل ترك موريتانيا أفضل مما وجدها؟
ذلك هو الاختبار الحقيقي لأي رئيس.
وذلك هو الحكم الذي سيصدره التاريخ، قبل أن يصدره السياسيون.
وبين نجاحات لم تكتمل، وإخفاقات لا تزال تنتظر المعالجة، وأمل لم يمت بعد، تبقى موريتانيا أكبر من كل الحكومات، وأبقى من كل الرؤساء، ويبقى المواطن هو صاحب الكلمة الأخيرة في تقييم التجربة.



