ردا على الريسوني: تمهّل قليلا.. موريتانيا والمغرب: تاريخ يجمع وسيادة تُحترم

بواسطة ezzein

محمد الأمين المرتجي الوافي

عاد الدكتور أحمد الريسوني، في حوار بُثّ أخيراً، إلى القول إن موريتانيا جزء من المغرب تاريخياً، «حرفياً» كما قال، وإن الدولة الموريتانية نشأت بفعل السياسة الاستعمارية الفرنسية. وأضاف أنه لا يدعو إلى اجتياح موريتانيا، وأن المغرب اعترف بها وانتهى الخلاف سياسياً. ونحن نقدّر للرجل علمه ومكانته، لكننا نقول له: تمهّل قليلاً. فالتاريخ أوسع من أن يُختزل في رواية واحدة، وأثقل من أن يُستعمل لإثبات تبعية شعب لشعب.

إن السؤال الذي يطرحه هذا الخطاب، «من يملك تاريخ الآخر؟»، سؤال خاطئ. والسؤال الصحيح: كيف نفهم تاريخاً عاشته شعوب المنطقة معاً، دون أن نحوّله إلى أداة لإنكار أحد؟

لقد كان المجال الصحراوي الشنقيطي المغاربي، قروناً طويلة، فضاءً مفتوحاً تتحرك فيه القبائل والعلماء والتجار والقوافل والأفكار، ولم تكن الحدود السياسية الحديثة قائمة بالمعنى الذي نعرفه اليوم. وعرفت هذه الأرض كياناتها الخاصة: إمارات الترارزة والبراكنة وآدرار وتكانت، وحواضر العلم في شنقيط وودان وتيشيت وولاتة. وعُرف أهلها في المشرق والمغرب باسم «الشناقطة» قبل أن تطأها فرنسا بزمن طويل. لذلك فإن علاقات الولاء والبيعة والتداخل القبلي والثقافي لا تُقرأ آلياً على أنها سيادة دولة حديثة على كامل المجال. فالبيعة رابطة دينية وسياسية لها سياقها وحدودها، والسيادة الإقليمية مفهوم قانوني حديث.

أما القول إن الدولة الموريتانية «صنيعة استعمارية»، فيصدق بالقدر نفسه على حدود أغلب دول إفريقيا والعالم العربي، التي رُسمت في الحقبة الاستعمارية ثم صارت حدود دول مستقلة ذات سيادة. ولم يقل أحد إن ذلك ينزع الشرعية عن دولها. فالشرعية الحديثة لا تُستمد من خرائط القرون الماضية، بل من إرادة الشعوب واعتراف المجتمع الدولي.

ولا يعني اعتزازنا بتاريخ بلاد شنقيط احتكار تاريخ المرابطين أو إنكار روابط المنطقة بالمغرب. فيوسف بن تاشفين لمتوني صنهاجي، والحركة المرابطية نشأت في المجال الصحراوي، ثم امتدت شمالاً وأقامت دولة شملت المغرب والأندلس وأجزاء من غرب إفريقيا. وهذه الحقيقة لا تجعل المغرب موريتانياً، كما لا تجعل موريتانيا مغربية بالمعنى السياسي الحديث. إنها تذكّرنا بأن تاريخ المنطقة تاريخ تفاعل وتبادل، لا تاريخ حدود وطنية تُسقط بأثر رجعي على القرون الماضية.

واليوم، الأمر محسوم بوقائع لا تقبل التأويل. أعلنت موريتانيا استقلالها في 28 نوفمبر 1960، وانضمت إلى الأمم المتحدة سنة 1961، واعترف بها المغرب سنة 1969. والدكتور الريسوني نفسه يقرّ بأن الخلاف انتهى سياسياً. فإذا كان الأمر كذلك، فما الحاجة إلى إحياء قراءة لا تخدم إلا من يريد إفساد ما بين الشعبين؟

إن سيادة موريتانيا واستقلالها حقيقة قائمة منذ أكثر من ستة عقود، لا تحتاج إلى دفاع ولا تنتظر إقراراً من أحد. ومن موقع هذه الثقة نحترم سيادة المغرب، ونعتز بالتاريخ الذي يجمعنا به. نريد للتاريخ أن يكون جسراً بين البلدين، لا جداراً بين الشعبين.

ومصلحة موريتانيا والمغرب معاً لا تتحقق بالقطيعة، ولا بإعادة فتح ملفات حسمتها الدولة الحديثة والقانون الدولي. إن مستقبل البلدين يحتاج إلى التعاون الاقتصادي والتكامل المغاربي، وتنمية المناطق الحدودية والصحراوية، وتعزيز المبادلات التجارية والثقافية والعلمية، ومواجهة التحديات الأمنية والتنموية المشتركة.

ولذلك ندعو النخب في البلدين، من علماء ومؤرخين ومثقفين وإعلاميين وسياسيين، إلى إبراز ما يجمع شعبينا وإنارته، والابتعاد عن تفسيرات للتاريخ ليست محل وفاق حتى داخل كل بلد، فضررها على المنطقة كلها أكبر من نفعها. وأولى بهذه النخب أن تعلّم الأجيال القادمة تاريخها المشترك وما يعزّز أخوّتها، بعيداً عن تأويلات التفرقة والصدام. فما نغرسه اليوم في عقول أبنائنا هو ما سيحكم علاقات الغد. والاختلاف في قراءة الماضي لا ينبغي أن يُفسد علاقات الحاضر، ولا أن يحرم الأجيال القادمة من مستقبل أفضل.

موريتانيا والمغرب دولتان جارتان شقيقتان، لكل منهما سيادتها وتاريخها، وبينهما تاريخ مشترك ومصالح مشتركة. والوطنية الحقيقية لا تعني العداء للآخر، وحسن الجوار لا يعني التنازل عن الثوابت. نحترم المغرب كما نحترم أنفسنا، ونعتز بتاريخنا كما نقدّر تاريخ جيراننا، ونتمسك بسيادتنا كما نحترم سيادة الآخرين. تلك هي القاعدة الصحيحة لعلاقات موريتانية مغربية قوية ومتوازنة ومستدامة.

محمد الأمين المرتجي الوافي
رئيس حزب الخيار الآخر (الخيار)
25 أكتوبر 2026