في السنوات الأخيرة، لم يعد التهديد الأكبر الذي يواجه العقل البشري نابعًا من شحّ المعرفة، بل من تحوّل طريقة استهلاكها. فالعقل الذي يتعرّض يوميًا لسيل من المحتويات القصيرة والسريعة يبدأ بفقدان الصبر الذهني، وهو الركيزة الأساسية للفهم العميق والتحليل المتماسك. وتشير دراسات حديثة إلى أن متوسط مدة التركيز لدى الإنسان تراجع بشكل ملحوظ خلال السنوات الماضية، في دلالة واضحة على أن بنية الانتباه نفسها تتغير تحت ضغط الإيقاع السريع للمعلومة.
المحتوى القصير لا يتيح للعقل فرصة الاستقرار في حالة تركيز مستمر، بل يدرّبه على الانتقال السريع بين الأفكار دون مرافقتها حتى نهايتها. هذا النمط من التلقي يعزّز الاعتماد على المكافأة الفورية عبر تحفيز الدوبامين بشكل متكرر، فيجعل التفكير العميق مجهدًا، والقراءة الطويلة عبئًا، والتحليل المتأنّي نشاطًا غير مرغوب فيه. ومع الوقت، لا يصبح العقل عاجزًا عن الفهم، بل غير معتاد عليه.
الأثر الأعمق يظهر في السلوك اليومي. فالعقل الذي اعتاد الحلول السريعة يبدأ في التعامل مع مشكلات الحياة بالمنطق ذاته: ردود أفعال متسرعة، قرارات ناقصة، ونفور من المسارات الطويلة التي تتطلب صبرًا وتخطيطًا. تختفي القدرة على الربط بين الأسباب والنتائج، وعلى تقبّل أن القضايا المعقّدة لا تُحل في لحظة، بل تُفهم عبر مسار متكامل من التفكير.
وهكذا يحدث التحوّل الصامت: وعي متقطّع، اهتمام مؤقت، حماس سريع ثم خفوت، دون تراكم حقيقي للمعرفة أو الخبرة. ومع انتشار هذا النمط، تصبح المجتمعات أكثر هشاشة أمام التضليل، وأقل قدرة على النقاش الرصين ومواجهة الأزمات المعقّدة، لأن العقول التي لا تحتمل العمق لا تستطيع إنتاج حلول جذرية.
ليس الخطر في المحتوى القصير بحد ذاته، بل في تحوّله إلى الغذاء الوحيد للعقل. فالعقل، كالجسد، يحتاج إلى تغذية متكاملة ليبقى سليمًا. وحمايته اليوم لم تعد خيارًا ثقافيًا، بل ضرورة وجودية، لأن عقلًا بلا صبر لا يصنع وعيًا، ولا يبني مستقبلا



