من أزمـــــــــــــات السلطة في موريتانية../ د. باب سيد أحمد لعلي

بواسطة ezzein

د. باب سيد أحمد لعلي

"اللاشعور السياسي يحكم الظاهرة السياسية من الداخل، تفكيرا وممارسة، أما عن المرجعية العامة لـ "العقل السياسي" والتي تقوم له مقام النظام المعرفي بالنسبة للعقل النظري، الفلسفي والكلامي الفقهي، والتي تؤطر اللاشعور السياسي نفسه وتُشكل له نوعا من "الموطن" داخل النفس الجماعية، فهو ما نترجمه بـ "المخيال الاجتماعي" وهو مفهوم نستعيره من علم الاجتماع المعاصر"  محمد عابد الجابري من كتاب العقل السياسي العربي- محدداته وتجليّاته

حاولت خلال ورقة بحثية منشورة لدى المركز الموريتاني للدراسات والأبحاث الاستراتيجية، أغسطس الماضي من هذه السنة أن أقدم تحليلا للواقع السياسي الموريتاني انطلاقا من اسقاط المفاهيم التي حاول الجابري قراءة المشهد أو الشخصية السياسية العربية كلها من خلالها، وخصوصا مفهومه المخيال الاجتماعي، الذي تجاوز من خلاله طرح "ريجيس دوبري"  اليساري الفرنسي المختص في علم النفس الاجتماعي، وبالإضافة إلى مفهوم "اللاشعور السياسي" وعلى الرغم من المشترك الإيديولوجي الذي جمع دوبري والجابري فإن مسألة تحليل البُنية الخفية وما يزدحم فيها من لاشعور سياسي يتمثل في حضور القبيلة والبنيات الرجعية الأخرى، وما يتجسد كذلك في المخيال الجمعي للمجتمع بالطريقة التي تجعل ذات البُنيات حاضرة في المشهد السياسي وتؤطره، من الأدوات التحليلية الفريدة التي تجعلنا أمام مرآة عاكسة لرؤية المجتمع بهيئة أخرى غير التي تمارس بها السياسية من خلاله، هيئة تكشف البُنية الحقيقية التي تؤطر الواقع السياسي الموريتاني، وتكفر في ذا الوقت بتطبيقات الفكر الليبرالي فيه.
ومن أهم ما يمكن الإعلان التوصل إليه في هذا السياق على الأقل فيما يتعلق بالسُلطة وطبيعتها في المجتمع تقليديا، والتي تشكل موضوع هذه الأسطر أن: 
السلطة غير مستقرة، وأعظم مهامها تحكيمية 
الصراع والتنافس والثأر سمات ثابتة في المخيلة السياسية للمجتمع الموريتاني، وأهدافهما في الغالب تنعكس على المنزلة في المجتمع.
الحماية نوع من التوافق السياسي بين مجموعتين تفرض أحدهما نفوذها على الأخرى
الميدان السياسي على ما فيه من تناقض مليء بالطقوس المُعبرة عن مواقف معينة اتجاه جماعة سياسية معينة.
الشريعة لا يتم اللجوء إليها إلا في حالات الهزيمة أو الدونية الاجتماعية


إن الواقع الحزبي وما يعبر عنه كذلك من حالة اللانسجام في المجتمع بشكل عام، وما يفرز كذلك في طبيعة من أزمة قيادة مُركزة فيه، تبعا لارتفاع نسبة الطلب على ترخيص الأحزاب بين من يرون أنهم نخبة وقادة سياسيون، ومن أيضا يريد انتزاع اعتراف الدولة به كقائد سياسي، جعل الفضاء السياسي، تتوزعه بشكل عام نزعتان، نزعة تنتظم من خلال نظرة من في السلطة للفضاء العام، أي أن السلطة لا تنظر إليه إلا بوصفه آلية لتشريع إجراءاتها وتمريرها، ونزعة أخرى تجعل القائمين على هذه الأحزاب وقادتهم يدخلون بعنف وبطرق شتى في سيستم المقايضات السياسية والاقتصادية جراء قيامهم بمواقف معينة أو تشريعهم لإجراءات معينة أخرى، أي أنه في المجمل العملية السياسة لا تخضع للمنطق المتعارف عليه لمن يستحق أن يكون فاعلا في الميدان السياسي، بخصائص موضوعية تتوافر فيه، بل إن الميدان السياسي أصبح ميدانا للمقايضات السياسية والاقتصادية ولا يأبه أي فاعل فيه إلا القليل بالمصلحة العامة.
لقد كان ميلاد كل تلك الاعتبارات التي أصبحت قواعد ثابتة للممارسة السياسية الثابتة في المجتمع الموريتاني الآن، نتيجة دستور 1991 الذي جاء في ديباجته أن الإسلام هو المصدر الوحيد للقانون كما تم استلهام مبادئ الليبرالية فيه مثل مفهوم (سيادة، قانون الاقتراع، فصل السلطات، الحقوق والحريات الفردية وكذلك نص على سيادة القانون، والذي عادت معه تلك الحركات السياسية إلى بناء تنظيماتها الحزبية، علاوة على ما اعترى أطر الحركات الإيديولوجية في ظل تضارب وصراع الجيش على السلطة من اختلافات تحددت من خلال دخول بعضهم في معسكر السلطة ومغاضبة البعض له، أو محافظته على جزء من انتماءه الإيديولوجي في بعض الأحيان ونتيجة لتأثير السلطة ذاتها بهذه الحركات الإيديولوجية المختلفة المشارب والمقاصد الأمر الذي أدى إلى إحياء الروح القبيلة كمحدد أساسي وإطار اجتماعي يُشرعن الممارسة السياسية في المجتمع، وأصبحت الأحزاب تبعا للتوجه الجديد مجرد ألية قانونية جوفاء تغذي روحها النفس القبلي والشرائحي، مما جعل ارتفاع منسوبها لا يؤثر على خصوصية الذات وقوتها الخفية، وإنما كان تزايد الأحزاب وسيلة من قبل الأطر إلى الاستفادة من تلك الروح وتلك القوة الخفية من خلال تحالفات لا تظهر إلا في فترة الانتخابات البلدية والتشريعية.

على المستوى الاقتصادي وبالإضافة ما يعتري الجانب السياسي من حالات اللانسجام التي طبعته، بما حاولنا توصيفه بشكل مقتضب، فإن الميدان الاقتصادي للمجتمع الموريتاني وللدولة يستحق التوقف، ونحن نعدد من حين لآخر جوانب أزمات السلطة في موريتانيا، حيث أن لاانسجامية المجال السياسي بشكل يفرز الواقع السياسي والثقافي بشكل أو آخر في ميدان الاقتصاد، أمر مربك ويحول دون تحقيق الكثير مما نسعى إليه للدولة والمجتمع.
لا يكفي أن نذكر هنا في هذا الاستهلال بما ذهب إليه التيار الماركسي في تحليله للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، من محورية للبنى التحتية (وسائل الإنتاج) في تحليل الواقع الاجتماعي، حيث أن وسائل الإنتاج التي يعبر عنها الماركسيون بالبنى التحتية هي التي تتحدد القيم والمعاير الأخلاقية وتتحكم في طبيعة التراتب الاجتماعي في المجتمع، ولا يكفي أيضا أن نذكر أن الاقتصاد الموريتاني كان يقوم بشكل مطلق ويعتمد على القطاع الأولي، بل المجتمع في طبيعته قبل قيام الدولة لم يكن يعرف التعامل إلا مع الثروة الحيوانية والزراعة بشقها المطري وغير المطري فضلا عن ما تعود عليه مجتمعيْ "إمراكن وانجاكو" من ممارسة للصيد وهي ممارسة كانت تندمج في سياق البعد الثقافي أكثر، أي أن تغير تلك الممارسات وإحلال أخرى بدلا منها كان يتطلب تأهيلا من نوع خاص وفق استراتيجية محكمة.
لقد تمثل توجه الدولة منذ تأسيسها في تهميش البنية الاقتصادية التقليدية والتي كانت مندمجة ثقافيا مع الطبع الاجتماعي، حيث أن المجتمع لا يعرف التعامل مع غيرها، على حساب القطاع الثاني، وما انتجت مخرجات ميفرما من آفاق واعدة حينها، جعل الدولة في بداية تأسيسها تعتمد على استراتيجية تقوم على التصنيع وتجعل القطاع الثاني مركزيا في رؤيتها وتصورها على حساب القطاع الأول، فولدت مسألة الانتقال في البنية الاقتصادية هذا التشويش الذي لا يزال قائما ضمن السيرورة المجتمعية إلى حد الآن، وما زاد الطينة بلة، خاصة في تهشيم دور سُلطة الدولة الهشة أصلا، هو الاتفاق مع البنك الدولي، والذي طبقت موريتانيا بمقتضاه مبادئ الاقتصاد الليبرالي 1985م فتمت خصخصة الكثير من المؤسسات الاقتصادية وتخلت الدولة عن الإيراد والتصدير، وتركت المجتمع يواجه جشع التجار، معتمدين على نسخة متجاوزة من الليبرالية الاقتصادية والتي تتمثل في ما نظر له "سميث" وخصوصا فكرة اليد الخفية التي تنظم السوق تلقائيا.

إن  تشعب أزمات السُلطة في موريتانيا لا يرتبط بذاتها وما تحمل من طبيعة وآليات فقط، بل من خلال ما يحيط بها وبتشكلها وما يساهم في استمرارها على هذا النحو رغم تعاقب الحكام والحكومات، تظل عاجزة على تلبية احتياجات المجتمع من جهة، وعن كسر الهوة القائمة بين المجتمع وإياها من جهة أخرى، ثم إن البعد الاقتصادي ليس هو وحده ولا السياسي المتحكم في عدم بروز هوية سُلطوية متماسكة إلى حد الساعة، بل البعد الثقافي كذلك، قد شهد نحوا من الاضطراب والازدواجية القائمة  على عدم الانسجام الكلي بين النموذج التقليدي (المحظرة) وما يمثل من خصوصية ثقافية للمجتمع، رغم محاولات إصلاحه وعصرنته، والنموذج التحديثي (المدرسة) على ما أحاط تشكله تاريخيا كذلك من اضطرابات وتجاذبات سياسية ثقافية من دعاة التفرنس، ودعاة التعريب مما زاد أزمة السلطة ذاتها وشوه إنتاج النخبة في المجتمع كذلك.
ونحن على عتبات حوار سياسي مهما كان مراد الأغلبية الحاكمة منه، فإن مسالة نقاش الأمور الجوهرية تبقى ضرورية خدمة لصالح العام، لا بمعنى التركيز على الأمور التي تخدم السُلطة لحظيا، فالأزمة أكبر من أي علاج لا يمس العمق، بل بإعادة التفكير في التأسيس لتوجهٍ يوافق الطبيعة الاجتماعية ويجعل الدولة تُسيطر على مواردها وعلى اقتصادها وعلى الأسعار، وتخلق نموذج تنموي يوافق تلك التطلعات وحوكمة كذلك مناسبة.
ليست هذه دعوة للتوجه الشمولي في الحكم وإنما هي دعوة فقط للتفكير بأعين وطنية وخلق نواة لعقل استراتيجي يؤطر السلطة وتوجهاتها.