خمسون عامًا من عمر الوكالة… ولماذا فضّلت الغياب؟

بواسطة abbe

عبد الله السيد

حين احتفلت الوكالة الموريتانية للأنباء بمرور خمسين عامًا على تأسيسها، كان يفترض أن أكون بين الحاضرين. فقد حرص زميلي العزيز، المدير العام الأستاذ محمد تقي الله الأدهم ، بكل وفاء، على دعوتي ومشاركتي هذه المناسبة التي تعني لي أكثر مما تعنيه لكثيرين. لكنني، بعد تفكير طويل، اعتذرت عن الحضور.

لم يكن اعتذاري موجها إلى الأشخاص، ولا إلى الإدارة الحالية، وإنما كان موجها إلى ذاكرة مهنية شعرت، للمرة الأخيرة، أنها اختارت النسيان.

لقد منحت الوكالة الموريتانية  (للصحافة أمس وللأنباء اليوم) أكثر من ثلاثة عقود من عمري. أعطيتها زهرة شبابي، ورافقت مراحل تشكلها ونموها، وشهدت تحولاتها الكبرى. دخلتها بعد أشهر قليلة من تأسيسها، وكان المدير العام يومها يرغب في اكتتابي، غير أن القانون حال دون ذلك لأنني لم أكن قد بلغت الثامنة عشرة، فاكتفى بمنحي تعويضًا شهريًا إلى أن بلغت السن القانونية، فكنت من أوائل من التحقوا بهذه المؤسسة التي أصبحت بيتي المهني.

في الوكالة تعلمت أن الصحفي الحقيقي ليس دائمًا من يعرفه الجمهور، بل قد يكون ذلك الجندي المجهول الذي يكتب ولا يوقّع، ويصنع الرأي العام دون أن يعرف الناس اسمه.

على مدى سنوات طويلة، كتبت افتتاحيات الوكالة، وصغت التعليقات السياسية، وحررت البيانات والتحليلات التي كانت الحكومات المتعاقبة تحتاج إليها. كانت الكلمات تصل إلى القراء، لكن صاحبها يبقى مجهولًا، لأن هذه طبيعة العمل في الوكالات.

وربما لهذا السبب، بينما كان كثير من زملائي الذين بدأوا معي المسيرة يتقدمون نحو الأضواء عبر الإذاعة والتلفزيون، ويتولون المناصب المعروفة لدى الجمهور، بقيت في الوكالة خلف الستار، مع آخرين ينجزون العمل ويتركون لغيرهم شهرة الشاشة والميكروفون.

لم يكن ذلك مصدر شكوى بالنسبة إليّ، فقد كنت مؤمنًا بأن قيمة الصحفي فيما ينجزه لا فيما يظهره الناس عنه.

وخلال مسيرتي المهنية تنقلت بين مختلف المسؤوليات، من صحفي بسيط إلى مدير عام مساعد للوكالة، كما توليت إدارة صحيفة “الشعب”، الجريدة الوطنية اليومية، وأسهمت، مع الإدارات العامة المتعاقبة، في تنفيذ مشاريع مهنية كانت تمثل آنذاك نقلة نوعية في الإعلام العمومي.

كان من بين تلك التحولات نقل صحيفة “الشعب” إلى الحجم الدولي، وتحديث أساليب التحرير، والانتقال من التغطية التقليدية الجامدة إلى تغطية أكثر مهنية وحيوية، والبحث عن أفضل المخرجين الصحفيين، وإعادة بناء أسلوب كتابة الخبر، وتكوين أجيال كاملة من الصحفيين الذين أصبح كثير منهم لاحقًا من قادة المؤسسات الإعلامية.

وخلال المرحلة الانتقالية، وتحت إدارة الزميل موسى ولد حامد، اتخذت الصحيفة خطوة غير مسبوقة عندما فتحت صفحاتها أمام الأقلام الحرة، وأمام كتاب كانوا محرومين من النشر. أصبح الرأي المختلف يجد مكانه في صحيفة الدولة، حتى إن أعداد الجريدة كانت تنفد من الأسواق في ساعات الصباح الأولى، في مشهد لم يكن مألوفًا في تاريخ الصحافة الرسمية.

ومن المحطات التي أعتز بها في مسيرتي المهنية أنني كُلِّفت، ضمن مهام خاصة، بتدريب وتكوين أعضاء أول فريق للإعلام والاتصال في قيادة أركان الجيش الوطني. وقد كان ذلك الفريق، الذي مثّل اللبنة الأولى للإعلام العسكري المنظم في البلاد، بقيادة العقيد بخاري محمد مؤمل، الضابط السامي المتقاعد حاليًا، أطال الله بقاءه.

وقد انصبّ عملي آنذاك على تأهيل أفراده في أسس التحرير الصحفي، وصناعة الخبر، وتقنيات الاتصال المهني، بما أسهم في وضع اللبنات الأولى لتجربة إعلامية مؤسسية داخل المؤسسة العسكرية.

لم أعتبر يومًا أن هذه الإنجازات تخصني وحدي؛ فقد كانت ثمرة عمل جماعي شارك فيه كثيرون، لكنني كنت أؤمن بأن لي فيها نصيبًا واضحًا من الجهد والتأسيس.

عندما غادرت الوكالة متقاعدًا سنة 2018، كنت أظن أن المؤسسة التي أفنيت فيها أجمل سنوات العمر ستتذكر أبناءها، كما تفعل المؤسسات العريقة في كل مكان. غير أن السنوات مضت، وتعاقبت احتفالات تأسيس الوكالة وصحيفة “الشعب”، ولم أتلق دعوة واحدة، حتى أحد المديرين العامين الذين كانت تجمعني بهم الجيرة في السكن قبل الزمالة.

ولم يكن الأمر يتعلق بدعوة إلى احتفال، بل بإشارة وفاء، وباعتراف بأن لهذه المؤسسة رجالًا أسهموا في بنائها، سواء كانوا في الواجهة أو خلف الكواليس.

وتكرر الشعور نفسه مؤخرًا عندما كرّمت وزارة الثقافة عددًا من الصحفيين. رأيت بين المكرمين تلامذة تدرب بعضهم على يدي في بداياته المهنية، بينما غاب اسم من قضى عمره في تكوين الصحفيين، وتطوير التحرير، وصناعة الخبر، وإدارة المؤسسات الصحفية، وكأن كل تلك السنوات قد طواها النسيان.

وقد جمعتني مؤخراً رحلة جوية مع أحد الحكماء  ممن يعرف تاريخ الإعلام العمومي؛ فيأتي : أين أنا ؟.. فأخبرته بأنني في وادي النسيان، فقال لي: قل الحمد لله .. لن تكرم ولن تجد اعترافاً لأنك ببساطة لست " جاسوسا ولا منافقا".

لا أكتب هذه الكلمات طلبًا لتكريم، فالتكريم الحقيقي هو ما يبقى في ضمير المهنة، وما يتركه الإنسان من أثر في الأجيال التي جاءت بعده. لكن المؤسسات لا تُبنى بالمنشآت وحدها، وإنما تُبنى أيضًا بذاكرتها، وبقدرتها على الوفاء لمن شاركوا في تأسيسها.

ولهذا، حين دعاني  الأستاذ محمد تقي الله الأدهم المدير العام الحالي  إلى حضور احتفالية الخمسينية، قبلت في البداية تقديرًا لشخصه الكريم، ثم وجدت نفسي أعتذر في اللحظة الأخيرة. شعرت أن حضوري لن يغيّر شيئًا، وأن المكان الذي أفنيت فيه أكثر من ثلاثين عامًا لم يعد يتذكر أنني كنت يومًا جزءًا من تاريخه.

لقد آن الأوان لأن أطوي هذه الصفحة بهدوء، وأن أترك للجيل الجديد صناعة فصوله الخاصة. أما أنا، فسأحتفظ بذكرياتي كما هي، لا ينتقص منها النسيان، ولا يزيدها التكريم.

ويبقى أملي أن تتعلم مؤسساتنا، وهي تحتفل بأعمارها، أن الاحتفاء الحقيقي لا يكون بالمباني والشعارات وحدها، بل أيضًا بالرجال والنساء الذين صنعوا تاريخها بصمت، ثم غادروا دون ضجيج.

فهكذا تُكتب ذاكرة المؤسسات… وهكذا وحده يصبح مرور نصف قرن مناسبة للاحتفاء بالماضي، لا للاكتفاء بعدّ السنوات.