التآزر.. من حماية الفقير إلى بناء طريق الخروج من الفقر

بواسطة abbe

د محمد الأمين شريف أحمد.

عندما أُنشئت «التآزر» في نوفمبر 2019، لم تكن الفكرة مجرد إنشاء جهاز جديد لتوزيع المساعدات، بل بناء منظومة وطنية متكاملة لمواجهة الفقر والهشاشة، تنظر إلى الأسرة الفقيرة باعتبارها وحدة متكاملة من الاحتياجات، لا مجرد رقم في قائمة المستفيدين.

ولهذا توزعت تدخلاتها بين الحماية الاجتماعية، والأمن الغذائي، والخدمات الأساسية، والسكن، والتمكين الاقتصادي والتنمية المحلية. وخلال سنوات قليلة، تجاوز عدد المستفيدين من مختلف تدخلاتها 1.5 مليون شخص، فيما أصبح السجل الاجتماعي يغطي نحو 325 ألف أسرة فقيرة، وتستخدم بياناته 29 جهة عاملة في مجال الحماية الاجتماعية.

التكافل.. حماية الأسرة عندما يعجز الدخل

يمثل «التكافل» ذراع الحماية الاجتماعية في المنظومة، حيث استفادت أكثر من 137 ألف أسرة من التحويلات النقدية المنتظمة، و21,545 أسرة من مساعدات خاصة، فيما استفادت 129,713 أسرة من تحويلات رمضان 2025، بغلاف مالي يقارب 467 مليون أوقية جديدة.

لكن قيمة «التكافل» لا تكمن في المال وحده، بل في قدرة الدولة على الوصول مباشرة إلى الأسر الأكثر هشاشة. والتحدي المقبل هو تحويل التحويلات من شبكة أمان دائمة إلى جسر نحو الاستقلال الاقتصادي.

الشيلة.. من الدعم إلى الخدمات

إذا كان «التكافل» يحمي دخل الأسرة، فإن «الشيلة» تعالج بعض أسباب هشاشتها. فقد تدخلت في الصحة والتعليم والمياه والطاقة والخدمات الأساسية، من خلال إنجاز أو المساهمة في 107 منشآت مدرسية و22 منشأة صحية، وتمكين أكثر من 100 ألف شخص من التأمين الصحي، إلى جانب 147 بئراً ارتوازية و90 شبكة مياه و12 محطة شمسية.

وهكذا لا يصبح الدعم النقدي بديلاً عن الخدمات، بل جزءاً من منظومة متكاملة: مال يحمي الأسرة، وماء وصحة وتعليم وطاقة تمنحها شروط حياة أفضل.

التموين.. معركة أخرى ضد الفقر

تواجه منظومة التموين جانباً آخر من الهشاشة هو الغذاء والقدرة الشرائية. فقد توسعت الشبكة إلى 1,754 دكاناً، ووفرت نحو 342,683 طناً من المواد الغذائية، استفاد منها أكثر من 723 ألف شخص.

ويمنح الربط بين التموين والسجل الاجتماعي فرصة لجعل الدعم الغذائي أكثر دقة وعدالة وأقل هدراً. أما الخطوة المقبلة، فينبغي أن تكون تعميم التموين الرقمي لتحديد المستفيد وحصته، وتتبع الاستفادة والمخزون والإنفاق بصورة آنية.

البركة.. الحلقة التي تفتح باب الإنتاج

الحماية وحدها لا تصنع التنمية. ومن هنا جاءت «البركة» لتمنح الأسر الهشة فرصة الانتقال من الاستهلاك إلى الإنتاج.

فقد مولت 2,583 نشاطاً مدراً للدخل و433 قرضاً حسناً، ودعمت 620 تعاونية، إلى جانب بناء 29 سداً و652 حاجزاً ترابياً، وتوزيع أكثر من 65 ألف متر من السياج ولوازمه، وإنشاء 3 وحدات لتحلية مياه البحر في نواذيبو.

لكن معيار النجاح هنا يجب ألا يتوقف عند عدد المشاريع الممولة، بل عند سؤال أكثر أهمية: كم مشروعاً بقي منتجاً بعد 24 و36 شهراً؟ وكم دخلاً خلق؟ وكم أسرة أصبح بإمكانها الاستغناء عن الدعم؟

داري.. حين يصبح السكن أداة لمكافحة الفقر

أنجز «داري» 2,508 وحدات سكنية، مانحاً الأسر المستفيدة أصلاً دائماً واستقراراً يتجاوز المساعدة المؤقتة.

غير أن السكن لا يحقق أثره كاملاً إذا بقي معزولاً عن محيطه؛ لذلك تكتسب مشاريع «تعمير – مدن التآزر» أهمية خاصة، باعتبارها تتجه إلى تحسين البيئة الحضرية للمناطق الهشة عبر البنية الأساسية والخدمات والإدماج الاقتصادي.

وهنا تلتقي حلقات المنظومة: مسكن، وماء، وكهرباء، وصحة، وتعليم، وفرصة اقتصادية.

السجل الاجتماعي.. عقل المنظومة

وربما يمثل السجل الاجتماعي أهم حلقات «التآزر»، لأنه ينقل العمل الاجتماعي من قوائم متفرقة إلى قاعدة بيانات موحدة تغطي نحو 325 ألف أسرة فقيرة، وتستخدمها 29 جهة في مجال الحماية الاجتماعية.

والخطوة الأهم هي تحويله إلى البنية الرقمية الموحدة للسياسة الاجتماعية في موريتانيا، بربطه بالهوية الرقمية وبمختلف البرامج، بحيث تستطيع الدولة معرفة وضع كل أسرة: عدد أفرادها، ومستوى دخلها، وما إذا كانت تتلقى تحويلاً نقدياً أو تأميناً صحياً أو تمويناً أو مشروعاً أو سكناً، وهل ما زالت بحاجة إلى الدعم.

عندها يصبح الاستهداف أدق، والإنفاق الاجتماعي أكثر كفاءة، والرقابة على المال العام أقوى.

من «كم استفاد؟» إلى «كم خرج من الفقر؟»

هنا تكمن المرحلة الأهم في مسيرة «التآزر».

فالحصيلة الحالية كبيرة: أكثر من 1.5 مليون مستفيد، ونحو 325 ألف أسرة في السجل الاجتماعي، وآلاف المشاريع والدكاكين والمنشآت والآبار والمساكن.

لكن المرحلة المقبلة ينبغي أن تنقل التقييم من قياس حجم التدخلات إلى قياس أثرها:

كم أسرة خرجت فعلاً من الفقر؟
كم مشروعاً استمر بعد 24 و36 شهراً؟
كم وظيفة دائمة خلقتها برامج التمكين؟
كم ارتفع دخل الأسر المستفيدة؟
كم تحسنت مؤشرات الصحة والتعليم والتغذية؟
وكم أصبحت كلفة إيصال الدعم إلى المستفيد الواحد؟

والأهم أن يكون لكل أسرة في السجل الاجتماعي مسار واضح للخروج من الفقر: حماية لمن لا يستطيع العمل، وتمكين لمن يستطيع، ثم خروج تدريجي من منظومة الدعم لمن أصبح قادراً على الاعتماد على نفسه.

وهنا تتضح قوة النموذج: التكافل يحمي، والتموين يؤمّن الغذاء، والشيلة توفر الخدمات، وداري يمنح الاستقرار، والبركة تفتح باب الإنتاج، والسجل الاجتماعي يربط الجميع ويضمن وصول الدعم إلى مستحقيه.

مقترحات:
النجاح ليس في كثرة المستفيدين.. بل في قلة المحتاجين

هذه هي المعادلة التي ينبغي أن تحكم المرحلة المقبلة من «التآزر»: أن تنتقل من إدارة الفقر إلى صناعة طريق للخروج منه.

فالنجاح الحقيقي ليس أن يرتفع عدد الأسر المسجلة، ولا أن تتضاعف التحويلات، ولا أن يزداد عدد المشاريع الممولة؛ بل أن تتراجع الحاجة إلى كل ذلك.

التآزر في مرحلتها الأولى كانت شبكة أمان. أما طموحها الأكبر فيجب أن يكون صناعة الاستقلال.

فحين تصبح الأسرة قادرة على تأمين غذائها، والوصول إلى الخدمات، وامتلاك مسكن لائق، وإطلاق نشاط منتج، وزيادة دخلها، ثم الاستغناء تدريجياً عن الدعم، تكون «التآزر» قد حققت غايتها الأسمى.

عندها فقط لا نقيس نجاح مكافحة الفقر بعدد من وصلهم الدعم، بل بعدد الأسر التي أصبح بإمكانها أن تقول: لم نعد بحاجة إليه.

د محمد الأمين شريف أحمد.