دراسة أمريكية: المجلس العسكري في مالي يواجه أضعف مراحله منذ انقلاب 2020

بواسطة abbe

الصورة من صفحة المركز

التيار (باماكو) - خلصت دراسة حديثة نشرها مركز صوفان الأمريكي في 18 أغسطس الجاري إلى أن المجلس العسكري الحاكم في مالي يواجه أضعف مراحله منذ انقلاب عام 2020، في ظل تصاعد الضغوط الأمنية والاقتصادية والعسكرية، وتنامي نفوذ الجماعات المسلحة، رغم استمرار الدعم الروسي وتماسك بعض الشراكات الإقليمية والدولية مع باماكو.

وحذرت الدراسة، التي حملت عنوان «ما مدى استقرار المجلس العسكري في مالي؟»، من أن النجاحات الأخيرة في الإفراج عن رهائن في منطقة الساحل لا تعكس تحسنا في البيئة الأمنية، معتبرة أن المشهد المالي لا يزال يتسم باضطرابات واسعة وأعمال عنف متصاعدة.

وأشارت في هذا السياق إلى الإفراج مؤخرا عن 82 جنديا من القوات المالية كانت جبهة تحرير أزواد تحتجزهم، إضافة إلى إطلاق سراح نحو 60 مدنيا كانت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين تحتجزهم، فضلا عن الإفراج عن عميل استخبارات فرنسي كانت باماكو تحتجزه، ومواطن أمريكي يدعى كيفن رايدوت كان محتجزا لدى تنظيم ولاية الساحل التابعة لتنظيم الدولة الإسلامية.

وأوضحت الدراسة أن عمليات الإفراج تمت عبر مسارات تفاوضية مختلفة، بمشاركة أطراف متعددة، مشيرة إلى دور للوساطة المغربية في الإفراج عن العميل الفرنسي، وإلى دور منسوب إلى القائد العسكري الليبي خليفة حفتر في بعض الترتيبات، مع تقارير تحدثت عن دفع فدية بلغت 12 مليون دولار، معتبرة أن هذه التطورات تمثل نجاحا محدودا في «دبلوماسية الرهائن»، لكنها تتناقض مع واقع أمني أكثر قتامة تعيشه مالي.

وقالت الدراسة إن جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، المرتبطة بتنظيم القاعدة في منطقة الساحل، رسخت موقعها باعتبارها واحدة من أكثر حركات التمرد نجاحا في أفريقيا، مستفيدة من قدرتها على تحقيق إيرادات مالية كبيرة، والسيطرة على مناطق وإدارتها، وتنفيذ هجمات ضد القوات الحكومية دون قدرة السلطات على منعها بشكل فعال.

وأشارت إلى أن حصار الوقود الذي بدأته الجماعة في سبتمبر 2025 يقترب من عامه الأول، وأنها لا تزال قادرة على السيطرة على مناطق وشن هجمات جديدة تستهدف النظام، في وقت تستفيد فيه الجماعة من تراجع قدرة الدولة على بسط نفوذها.

وبحسب الدراسة، يتراوح عدد مقاتلي جماعة نصرة الإسلام والمسلمين بين 7 آلاف و8 آلاف عنصر في منطقة الساحل، ينشط نحو نصفهم داخل مالي، فيما أظهرت هجمات أبريل الماضي قدرة متقدمة على التخطيط والتنفيذ، وهي قدرة استمرت، وفق الدراسة، في الظهور عبر هجمات منسقة أصغر حجما.

كما أشارت إلى أن الجماعة تعتمد على مصادر متعددة لتمويل عملياتها، بينها فرض الضرائب على الطرق، وسرقة الماشية، وجباية الزكاة، وعمليات الاختطاف مقابل الفدية، فضلا عن استغلال النشاط المرتبط بتجارة الذهب.

وفي المقابل، قالت الدراسة إن تنظيم ولاية الساحل التابع لتنظيم الدولة الإسلامية يواصل توسيع نطاق عملياته، خصوصا في منطقة مينكا، حيث عزز سيطرته وأصبح يطوق مدينة مينكا، كما طور قدرته على تنفيذ عمليات أكثر تعقيدا، مع استمرار روابطه العملياتية مع تنظيم ولاية غرب أفريقيا.

واعتبر مركز صوفان أن الذهب يمثل العمود الفقري للاقتصاد المالي، لكنه أشار إلى أن هذا القطاع الحيوي يتعرض بشكل متزايد للاضطراب بفعل نشاط الجماعات المسلحة.

وأوضح أن جماعة نصرة الإسلام والمسلمين لا تسيطر بالضرورة بصورة مباشرة على معظم مناجم الذهب، لكنها تستفيد من طرق نقله عبر فرض الإتاوات والضرائب على مراحل مختلفة من سلسلة القيمة، بما يتيح لها تحقيق عائدات مالية مهمة.

وأشارت الدراسة إلى أن الجماعة استعادت، خلال هجوم أبريل الماضي، السيطرة على منطقة إنتاهاكا، التي تضم أكبر منجم للذهب الحرفي في شمال مالي، في حين لا يزال المجلس العسكري يسيطر على المناجم الصناعية ويحصل على الإيرادات المرتبطة بها.

لكن الدراسة رأت أن قدرة الحكومة على الاستفادة من هذا المورد تواجه ضغوطا متزايدة، بسبب ارتفاع تكلفة تأمين الإمدادات، بما في ذلك استخدام قوافل عسكرية لمرافقة الشاحنات، إلى جانب النفقات الكبيرة المرتبطة بوجود عناصر «فيلق أفريقيا» الروسي في البلاد.

ورأت الدراسة أن سلاسل الإمداد الخاصة بالمجلس العسكري لا تزال تواجه تهديدا مباشرا، خصوصا في ظل اعتماد مالي الكبير على الطرق البرية لاستيراد الوقود من السنغال وساحل العاج.

وقالت إن جماعة نصرة الإسلام والمسلمين وجبهة تحرير أزواد تستغلان هشاشة هذه الطرق للضغط على السلطات، بينما أدت نقاط التفتيش والكمائن والألغام التي تنصبها الجماعة حول العاصمة إلى إضعاف الإمدادات العسكرية واللوجستية.

وأشارت إلى أن السلطات اضطرت إلى اعتماد قوافل مدرعة ومرافقة عسكرية دائمة للسماح بمرور جزء من الإمدادات إلى باماكو، ما يزيد كلفة الحفاظ على تدفق السلع والوقود.

وفي هذا السياق، لفتت الدراسة إلى استمرار روسيا في توفير الدعم اللوجستي والأمني لباماكو، لكنها أشارت إلى تغير مسارات الإمداد، مستشهدة بوصول شحنة من المركبات العسكرية إلى ميناء في توغو قبل نقلها برا إلى مالي، في مؤشر، بحسب الدراسة، على تكيف سلاسل الإمداد مع المخاطر الأمنية والعقوبات.

وبحسب مركز صوفان، فإن فعالية اعتماد المجلس العسكري على الشركاء الخارجيين أصبحت موضع شك بعد هجوم أبريل، إلا أن الشراكة مع روسيا لا تزال قائمة.

وقدرت الدراسة عدد عناصر «فيلق أفريقيا» الروسي في مالي بما بين ألفين و2500 عنصر، مشيرة إلى أن موسكو لا تزال تؤدي دورا محوريا في دعم المجلس العسكري، كما ساهمت في إعادة ترميم العلاقات بين باماكو والجزائر.

وقالت إن إحياء العلاقات المالية الجزائرية جاء بوساطة روسية، بعد توترات حادة بين البلدين، مع بقاء خلافات أساسية، من بينها موقف مالي المؤيد لخطة المغرب بشأن الصحراء الغربية، وهو موقف تعتبره الدراسة نقطة خلاف رئيسية مع الجزائر.

وأضافت أن عضوية مالي في تحالف دول الساحل «AES» توفر للمجلس العسكري قدرا من الحماية، مشيرة إلى إعلان التحالف مؤخرا عن توسيع قوته المشتركة، كما اعتبرت أن تركيا والصين وإيران تظل أطرافا مهمة في دعم بقاء النظام عسكريا واقتصاديا.

وتوقفت الدراسة عند ما وصفته بتراجع قدرة المجلس العسكري على التحكم في الرواية السياسية والإعلامية، رغم احتكاره شبه الكامل للمجال الإعلامي الرسمي، وإخراج وسائل إعلام مستقلة من البلاد واعتقال أصوات معارضة.

وقالت إن الجماعات المسلحة طورت بدورها أدوات لمواجهة الخطاب الرسمي، مشيرة إلى مؤسسة «الزلاقة» التابعة لجماعة نصرة الإسلام والمسلمين، التي تستخدم منصاتها للتحريض على مواجهة المجلس العسكري، إلى جانب محاولة تقديم نفسها باعتبارها قوة ذات شرعية سياسية من خلال نشر فتاوى وأحكام دينية.

وربطت الدراسة بين هذه التطورات وبين الظروف الاجتماعية والاقتصادية الصعبة في البلاد، مشيرة إلى وجود نحو نصف مليون نازح داخلي، واستمرار الفقر وانعدام الأمن الغذائي، وهي عوامل قالت إنها تقوض مصداقية الحكومة.

كما اعتبرت أن الانتهاكات المنسوبة إلى المجلس العسكري، ولا سيما بحق مجموعتي الطوارق والفولاني، تضعف صورته أمام السكان، إلى جانب الانتهاكات المنسوبة إلى أطراف أخرى، بينها القوات المرتبطة بروسيا.

ورأت الدراسة أن المجلس العسكري لا يزال يسيطر على معظم المدن الرئيسية في مالي، باستثناء كيدال، ويتمكن بصورة متقطعة من تأمين الطرق التي تربط بينها عبر القوافل المسلحة، إلا أن الكمائن وعمليات قطع الطرق التي تنفذها جماعة نصرة الإسلام والمسلمين تحد من قدرة الدولة على التحرك بحرية.

وأضافت أن هشاشة التماسك الداخلي للمجلس العسكري تمثل أحد أبرز مصادر ضعفه، مشيرة إلى عمليات تطهير متكررة منذ عام 2025، شملت توقيف عسكريين على خلفية محاولة انقلاب مزعومة في أغسطس من العام نفسه، وإبعاد مسؤولين عسكريين كبار، من بينهم الرئيس السابق للاستخبارات الداخلية.

وبحسب الدراسة، شهدت المؤسسة العسكرية أيضاً عمليات تطهير بعد هجوم أبريل 2026، استهدفت عسكريين يشتبه في تعاونهم مع جماعة نصرة الإسلام والمسلمين وجبهة تحرير أزواد.

وخلص مركز صوفان إلى أن مجمل هذه العوامل تشير إلى أن النظام العسكري في مالي يمر بأضعف مراحله منذ انقلاب 2020، وأن مستقبل السلطة في باماكو سيتحدد بدرجة كبيرة وفق تطورات عدة، بينها انتظام وصول قوافل الإمداد إلى العاصمة، ووضع المدن الرئيسية، وقدرة قادة المجلس العسكري على الحفاظ على تماسكهم، فضلا عن مستوى قوة الجماعات المسلحة وقدرتها على مواصلة عملياتها.

وحذرت الدراسة في الوقت نفسه من أن الصراع بين جماعة نصرة الإسلام والمسلمين وتنظيم ولاية الساحل قد يؤدي إلى تصعيد إضافي، في ظل استمرار التنافس بين الطرفين منذ سنوات.

وأشارت إلى أن الهدن الهشة بين التنظيمين تتعرض للانهيار، وأن فريق الرصد التابع للأمم المتحدة وصف تطور العلاقة بينهما بأنه انتقال نحو «منافسة مفتوحة»، وهو ما قد يؤدي إلى تصعيد في العمليات، وربما إلى هجمات إرهابية أكثر خطورة، بما في ذلك عمليات خارج منطقة الساحل.

وبحسب الدراسة، استفاد تنظيم ولاية الساحل من تراجع سلطة الدولة دون تحمل التكاليف نفسها التي تواجهها جماعة نصرة الإسلام والمسلمين وجبهة تحرير أزواد في مواجهة المجلس العسكري، إذ ركز التنظيم على توسيع نفوذه في المناطق التي خلفها تراجع حضور الدولة والجماعات المنافسة.

واعتبر مركز صوفان أن استمرار تدفق الأموال الناتجة عن صفقات الرهائن سيمنح تنظيم ولاية الساحل دفعة إضافية، في وقت تواصل فيه الجماعة عملياتها ضد القوات الأمنية المالية وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين.

وتقدم الدراسة، في مجملها، صورة لنظام لا يزال قادرا على البقاء بفضل السيطرة على المدن الرئيسية، وإيرادات الذهب، والدعم الروسي، وشبكة من الشراكات الخارجية، لكنه يواجه في المقابل ضغوطا متزايدة على طرق الإمداد، وتوسعا في نفوذ الجماعات المسلحة، وتراجعا في القدرة على فرض السيطرة على مساحات واسعة من البلاد، إلى جانب تحديات اقتصادية واجتماعية وتوترات داخل المؤسسة العسكرية.